ولقد زهدت الآن فيك. قال: لم؟ قال: جئتُ إلى بيت هو دينك ودين آبائك، وهو شرفكم وعصمتكم لأهدمه لم تكلمني فيه وتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك. قال عبد المطلب: أنا رب هذه الإبل، ولهذا البيت رب سيمنعه منك، قال: ما كان ليمنعه مني، قال: فأنت وذاك، فأمر بإبله فردت عليه، فلما ردت الإبل على عبد المطلب خرج فأخبر قريشًا الخبر، وأمرهم أن يتفرقوا في الشِّعاب، ويتحرزوا في رؤوس الجبال، تخوفًا عليهم من مَعَرَّة (1) الجيش، ففعلوا، وأتى
عبد المطلب الكعبة وأخذ حلقة الباب وجعل يقول:
يا رب لا أرجو لهم سواكا ... يا رب فامنع عنهم حماكا
إن عدو البيت من عاداكا ... امنعهم أن يخربوا قراكا
وقال أيضًا:
لاهمَّ إن العبد يمـ ... نع رحله فامنع رحالك
وانصر على آل الصليـ ... ـب وعابديه اليوم آلك
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم عَدْوًا محالك
جروا جموع بلادهم ... والفيل كي يسبوا عيالك
عمدوا حماك بكيدهم ... جهلًا وما رقبوا جلالك
إن كنت تاركهم وكعـ ... ـبتنا فأمر ما بدا لك
ثم ترك عبد المطلب الحلقة وتوجه في بعض تلك الوجوه مع قومه، وأصبح أبرهة بالمغمّس وقد تهيأ للدخول، وهيّأ جيشه وهيّأ فيله، وكان فيلًا لم يُر مثله في العظم والقوة، ويقال: كان معه اثنا عشر فيلًا، فأقبل نفيل إلى
(1) ... معرَّة الجيش: أذاهم (انظر: غريب الحديث لابن الجوزي 2/ 79) .