فهرس الكتاب
وممن هرب من مكة يومئذ: قاضيها يحيى بن عبدالرحمن بن هارون القرشي مع عياله إلى وادي رَهْجان (1) ، ونَهَبَت القرامطة من داره وأثاثه وأمواله ما قيمتُه مائة ألف دينار وخمسين ألف دينار، فافتقر بعد تلك الثَّرْوة، وكذلك نُهبت دور أهل مكة إلى أن صار الباقي ممن نجا من تلك الوقعة فُقَراء يستعطون، ولم يحجّ في هذا العام أحد ولا وقف بعَرَفة إلا عدد يسير فازوا بأنفسهم وسمحوا بأرواحهم، فوقفوا بدون إمام، وأتمّوا حَجّهم مستسلمين للموت.
وأخذ أبو طاهر خزانة الكعبة وما فيها من الذهب والفضة وكسوة الكعبة وحُليّها وما نهبه من أموال الحُجّاج فقسمها بين أصحابه، وأراد أخذ حَجَر
المقام الذي فيه صورة قدم إبراهيم عليه الصلاة والسلام فلم يظفر به؛ لأن سدنة الكعبة أخفوه وغيّبوه في شِعاب مكة، وتألّم لذلك، فاستدعى بجعفر بن أبي علاج البنّاء وأمره بقلع الحَجَر الأسود من محلّه، فقَلَعَه بعد العصر يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة ذلك العام، وصار بزَنْدَقَتِهِ يقول -قاتله الله ولعنه وأخزاه-:
فلو كان هذا البيت لله ربّنا ... لصَبَّ علينا النارَ من فوقنا صَبَّا
لأنا حَجَجْنَا حجّة جاهلية ... مُحللة لم تبق شرقًا ولا غربا
وأنا تركنا بين زمزم والصفا ... جنائز لا تبغي سِوى رَبِّها رَبَّا
(1) وادي رَهْجان: وادٍ يصبّ في نعمان، فيه عسل كثير (معجم البلدان 3/ 108) ، وهو وادٍ يسيل من جبال سمار، وجبال الخُشاع، يفترق رأسه إلى شعبتين كبيرتين: رهجان الأبيض من الشرق، ورهجان الأسود من الغرب من جبل قُرظَة، ويسكن رهجان وفروعه: الجوابرة، ودعد، وبنو ندا، وكلهم من هذيل، وفيه بئر سقي، وقرى ومدرسة، ويصب رهجان في نعمان على 29 كيلًا من مكة يمين طريق الطائف، وهو الطريق الذي يأخذ على جبل كرى (معجم معالم الحجاز 4/ 109 - 110) .