الصفحة 1 من 10

[الكاتب: أبو عبد الله السعدي]

منافق من المنافقين يتظاهر بطلب الأسلم له في دينه فيستأذن من النبي صلى الله عليه وسلم في ترك جهاد الروم يوم غزوة تبوك لأنه يخشى أن يرى نساء بني الأصفر فيفتتن بهن!!

وهنا يأتي الحكم الفصل من رب العالمين {ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} .

قال ابن تيمية رحمه الله: (ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يعرض به المرء للفتنة: صار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة كما قال عن المنافقين: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا ... الآية} ... يقول نفس إعراضه عن الجهاد الواجب ونكوله عنه وضعف إيمانه ومرض قلبه الذي زين له ترك الجهاد: فتنة عظيمة قد سقط فيها فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته؟ والله يقول: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} فمن ترك القتال الذي أمر الله به لئلا تكون فتنة: فهو في الفتنة ساقط بما وقع فيه من ريب قلبه ومرض فؤاده وتركه ما أمر الله به من الجهاد) [1] .

فيا أيها المسلم احذر! احذر فهذه خصلة من خصال النفاق، فانج بنفسك ووالله إن النجاة لقريبة ورحمة الله قريب من المحسنين فجاهد نفسك ولا تستسلم لها وادفعها إلى الجهاد في سبيل الله دفعا عسى أن تكون من المفلحين.

شبهة الفتنة ترد كثيرا حينما يأتي ذكر الجهاد، فتارة يزعم المبطلون أن القتال فتنة، وربما خصص بعضهم الحديث فقال: إن القتال في بلاد المسلمين فتنة، وتارة يجلب الشيطان على العبد فيخوفه من سلوك طريق الجهاد خوفا من الفتنة وعدم القدرة على تحمل أعباء الجهاد ومشقاته وحذرا من الانتكاسة أو خوفا من الأسر أو الجراح ونحو ذلك من عوارض الطريق، وهذه الشبهة - كحال كثير من الشبه في باب الجهاد - مردها إلى ظروف نفسية، وصراعات معنوية بين الإنسان ونفسه تقنعه بترهات، وتعلقه بأوهام، وإلا فإن الإنسان حين يعود إلى رشده يستغرب كيف تعلق بالقشة، واستمسك بالشبهة، وترك الحقيقة الناصعة، والحق الواضح.

ومن تلك الشبه شبهة الفتنة في الجهاد حيث لا يفهم أولئك من معاني الفتنة إلا أنها الدماء والقتال والخوف والحروب فأينما وجدت هذه المفردات فثم الفتنة، فما هي صورة الجهاد في أذهانهم إذن؟ هل يتصورون قتالا في سبيل الله بلا دماء، أو أشلاء، أو تطاير الرؤوس، وتناثر الأعضاء؟

أي جهاد يؤمله ذلك الرجل المتردد الذي يخشى الأسر أو التعذيب أو الجرح أو الموت؟

مثل هؤلاء ينتظرون السراب أو بالأصح لا ينتظرون شيئا أبدا!!

لا بد لك أيها المسلم أن تصارح نفسك وتعيش صورة واقعية بعيدة عن خيال التنظير، الجهاد ساحة معركة فيها الدماء، والأشلاء، والخوف الذي يزلزل القلوب .. فيها قطع الرؤوس، وبتر الأيدي والأرجل، وكسر العظام .. فيها من ينكص على عقبيه، وفيها من يجزع فيقتل نفسه ..

كل ذلك لا يتصور جهاد بدونه، ولأجل تلك المشاق العظيمة كان أجر الجهاد عظيما جدا .. والمجاهدون ليسوا معصومين ففيهم الصالحون ومنهم دون ذلك بل ربما كان أميرهم من الفجار ولم يكن ذلك مانعا من الجهاد بل عد ذلك أهل السنة من أصول منهجهم وذكروه في عقائدهم وأن الجهاد ماض إلى يوم القيامة مع البر والفاجر من الأمراء المسلمين [2] .

ليس في ذكر هذه الحقائق تشويه لصورة الجهاد، ولا زيادة للرعب ولا للإرجاف، بقدر ما هو تنبيه لأولئك الخياليين الذين يعيشون أحلام اليقظة ويتصورون الجهاد نزهة جميلة، لا بلاء فيها ولا عناء، فإذا جاء الجد قالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال؟! تنبيه يصدع في وجوههم: لا تخادعوا أنفسكم، اعلموا أن الجهاد في سبيل الله الذي جاءت في فضله آيات القرآن وأحاديث السنة، والذي يحب الله أهله ويرفعهم درجات ليس إلا بهذه الصورة الواقعية الحقيقية، وما شرعه الله إلا لفوائده العظيمة وعواقبه الحميدة.

إن الذين يستشنعون هذه الصورة للجهاد، ويظهرون أنفسهم بمظهر أصحاب القلوب الرحيمة، والمشاعر الرقيقة يكذبون على أنفسهم وعلى الناس وإلا فإن شناعة الكفر والإلحاد الذي يعايشونه ولا يستنكرونه، وشناعة الرحمة بالذين يبغضون الله ويحادونه ويكفرون بدينه، وشناعة الرأفة بالمجرمين: كل ذلك أكبر دليل على كذبهم وزيف مشاعرهم!!

لو أيقن هؤلاء أن الفتنة هي الكفر والشرك كما صح عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتغيرت نظرتهم نحو الجهاد .. ولو أيقنوا أن هذه الفتنة أكبر وأشد من القتل كما أخبر الله جل وعلا لما ترددوا عن النفير، ولا تأخروا عن النصرة، ولخافوا من عذاب النار {وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون} ... لو تذكر هؤلاء فتنة القبر وأسئلته التي لا بد منها لعرفوا أي الفتنتين أولى بالتباعد والحذر والنجاة منها ..

إن هؤلاء في الحقيقة يحاولون درء الفتنة المتوهمة بارتكاب الفتنة التي هي أعظم وأشنع، يسول لهم الشيطان ترك الجهاد خشية الفتنة التي لم تقع ليوقعهم في فتنة ترك الجهاد والرضوخ لحكم المرتدين والكافرين، وتسلط اليهود والنصارى والوثنيين .. يخافون عذاب الدنيا وعذاب الآخرة أشد وأبقى .. يتحاشون الفتنة بالقعود عن الجهاد وما علموا أن أهل الجهاد أبعد الناس عن الفتن وأقربهم إلى السلامة منها وأسعدهم بالهداية.

"ولهذا كان الجهاد موجبا للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم، كما دل عليه قوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} ، فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى؛ ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر، فإن الحق معهم؛ لأن الله يقول: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} " [3] .

[عن مجلة صوت الجهاد > العدد العاشر]

[1] الفتاوى 28/ 165 - 167.

[2] قال الطحاوي رحمه الله: (والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما) .

[3] ابن تيمية / مجموع الفتاوى 28/ 442.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت