الصفحة 2 من 10

[الكاتب: أبو عبد الله السعدي]

حينما يدعي مثقف مزعوم أن الصراع المسلح والتجربة الجهادية وصلت إلى طريق مسدود فهو يخون الأمانة، ويعظم الفرية على دين الله، فالجهاد الذي يقوم به الصالحون هو عبادة قبل كل شيء آخر، وقربة يتقربون بها إلى الله، وقد علمهم الله كل ما يحتاجونه فيه، فلم يحوجهم سبحانه إلى عقولهم الضعيفة ومداركهم الضيقة ليتأكدوا ويجربوا: هل طريق الجهاد تجربة ناجحة أم لا؟!

فمن السفه أن يعترض معترض على أي قتال يقوم به المجاهدون ليقول بأنه تجربة أثبتت فشلها!! له الحق أن ينتقد الخطط العسكرية والآلية التي بها أديرت المعركة ونحو ذلك مما هو في مجال الاجتهاد، أما أن يعترض على مبدأ القتال من نوع معين، أو صورة من صور الجهاد بهذه الشبهة الساقطة فهذا هو المحذور؛ لأنه تلبيس على القارئ، وهروب من النقاش العلمي المفيد الذي كان بوسعه أن يستخدمه لتقرير مدى شرعية تلك التجارب المزعوم فشلها بل ومدى وجوبها؟

أقول ذلك؛ لأن من يدعي مثل هذه الدعوى يريد في النهاية من المجاهدين أن يتركوا ذلك الجهاد الواجب بحجة أنه تجربة وفشلت!! فهل يقول بهذا عاقل عرف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟

وبعبارة أخرى: هل من الممكن أن يكون الجهاد شرعيا بل وواجبا ويهزم فيه المسلمون؟

الجواب: نعم، يهزمون ظاهريا حسيا، وأبرز الأمثلة على ذلك غزو أحد التي قال الله فيها: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير * وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين} ، وأول غزو حنين التي قال الله فيها {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين} .

إذن فهزيمة المسلمين في معركة أو معارك لا يجوز شرعا أبدا أن يتخذها المبطلون حجة للتثبيط عن الجهاد الجائز فضلا عن الاعتذار به عن الجهاد الواجب؛ تماما مثلما أن المسلمين هزموا في أحد، وفي أول غزوة حنين ومع ذلك بقي الجهاد واجبا وفضيلة وشرفا وكرره رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تلك الهزائم مرات متعددة.

ولم يقل أحد من أهل العقول بوجوب إيقاف الجهاد لأنه كان تجربة وفشلت، نعم لو كان المعترض لا يرى ذلك القتال في سبيل الله جهادا لكان له أن يبين حجته في ذلك السياق، ويبين وجه اعتراضه على كون ذلك الجهاد شرعيا.

لا أن يقول: لا تجاهدوا الجهاد المشروع أو الواجب لأنه كان تجربة وفشلت!

ولا أن يقول: لا تحرصوا على الدرجات العلى من الجنة بالجهاد لأنه كان تجربة وفشلت!

ولا أن يقول: لا تتسابقوا إلى الشهادة بالجهاد لأنه كان تجربة وفشلت!

ولكن غالب الظن أن مثل هؤلاء مفلسون من الحجة العلمية والبينة الشرعية التي يعترضون بها على الجهاد الذي يقوم به أولياء الله الصالحون، فمالهم بعدها إلا التثبيط والإرجاف والتخذيل، كحال الذين حذرنا الله منهم {وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم} [آل عمران: 167] .

فهؤلاء هم أشباه أولئك، إذا صيح بهم: يا خيل الله اركبي.

قالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم.

وهؤلاء إذا ذكروا بالله: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان} [النساء:75] .

قالوا: لو أريتمونا تجربة ناجحة لفعلنا مثل فعلكم ولخرجنا معكم يهلكون أنفسهم ويعلمون أنهم كاذبون، أو كحال الذين قال الله عنهم: {الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين} [النساء: 141] .

ألا فليتق الله هؤلاء وليراجعوا أنفسهم هل ما يقولونه له قيمة حقيقية؟

هل يصح أن نعلق أمر الله بالجهاد على نجاح التجارب؟ إذا فليتركوا الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!! لأن تجاربه الكثيرة فشلت ولم تؤد النتيجة المطلوبة ..

جماعات إسلامية، سرية وعلنية من عشرات السنين تسعى لإقامة الدولة الإسلامية وإلى الآن لم تتقدم خطوة واحدة في هذا المجال في حين أن الجهاد في سبيل الله استطاع أن يقيم دولا وكيانات مباركة، حمت المسلمين، واستطاعت تطبيق الشريعة الإسلامية إلى حين ..

· دولة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لم توجد إلا بالجهاد.

· ودولة الطلبة في أفغانستان لم تقم إلا بالجهاد ..

· والدولة الإسلامية في الشيشان لم تقم إلا بالجهاد ..

صحيح أن هذه التجارب لم تكتمل أو تؤد دورها الكامل المطلوب لكن هذه سنة كونية معلومة وهي التدرج فبالأمس لم نكن نحلم بدولة، واليوم تقوم لنا دول وتسقط، وغدا بإذن الله تقوم ولا تسقط حتى يأتي أمر الله، ولم يكن فتح مكة إلا بعد غزوات كبار، وهجمات صغار، وسرايا مبثوثة، ومناوشات محدودة، كان بعدها النصر العظيم والفتح المبين، وكذلك في زماننا بإذن الله .. أم يتوقع هؤلاء المثاليون أن تقوم لنا دولة الإسلام هكذا في يوم واحد وبدون دماء وتضحيات، أو بدون تعثرات وتلكؤات وهزائم أحيانا.

خلاصة الحديث:

أن الجهاد عبادة من العبادات، مثله مثل الصلاة والصوم والحج من جهة، ومثل الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جهة أخرى, وعلى كلا الجهتين لا يجوز أن يعترض على إقامته معترض بأنه لم يحقق فوائده وأن تجاربه كانت فاشلة لأمور:

أولها: أن مجرد الامتثال للأمر الواجب أكبر فائدة، ولا تبرأ الذمة إلا به، والخسران كل الخسران في تركه ..

وثانيها: أنه مهما تخلفت بعض مقاصد الجهاد وفوائده، فإنه لا يخلو من مقاصد أخرى وفوائد كبرى، لا يدركها المتعجلون السطحيون الذين يقيسون الأمور بمقياس مادي، ومن تلك الفوائد الابتلاء والتمحيص، واتخاذ الشهداء، وتكفير الذنوب، وغير ذلك مما لا يفهمه إلا المستنيرون بنور الوحي.

وثالثها: أن الفشل الظاهري في تحقيق بعض مقاصد الجهاد ليس ضربة لازب، أو قدرا لا يتزحزح بل فضل الله واسع، ووعده حق، وهو ناصر دينه، ومعل كلمته، طال الزمن أو قصر، لا نشك في ذلك طرفة عين، وإن المجاهدين المطاردين اليوم لهم أحق الناس وأولاهم أن ينعموا بذلك اليوم ونصره، ويفرحوا بفضله، إن ثبتهم الله على هذا الطريق وأحياهم إلى حين.

وأما هؤلاء المتربصون الشامتون فهم أولى بالندامة في الدنيا والآخرة نسأل الله العفو والعافية.

[عن مجلة صوت الجهاد > العدد التاسع]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت