[الكاتب: أبو عبد الله السعدي]
أذن الله للمسلمين بالقتال في المدينة، ولم يكن الجهاد مشروعا قبل ذلك في مكة، لحكمة أرادها الله سبحانه، وأعني بذلك الجهاد جهاد الطلب الذي يلزم الناس والبلاد بحكم الإسلام، أما جهاد الدفع فكان مشروعا بحسب الحاجة إليه فيدافع المسلمون عن أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وأما الدفاع عن أرض الإسلام فلم يكن واردا حينذاك إذ لا توجد أرض للمسلمين يدافعون عنها.
وكان هذا الدفاع عن النفس مشروعا غير فرض على المسلمين بل هم فيه مخيرون وإن كانت الأفضلية للصبر.
قال تعالى: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون * وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين * ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل * إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم * ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} .
وفي المدينة تدرج تشريع الجهاد في مراحل انتهت بفرض الجهاد على المسلمين ضد الكفار جميعا: من اعتدى علينا منهم ومن لم يكن كذلك.
أما غير المعتدي فيجاهد جهاد طلب باعتبار ذلك فرض كفاية، وأما المعتدي فيجاهد جهاد دفع باعتباره فرض عين على المسلمين.
وبهذه الصورة استقر حكم الإسلام في الجهاد وكمل الدين واستمر المسلمون أربعة عشر قرنا على هذا النهج لم يقل أحد منهم بخلاف هذا الحكم المستقر، ولم يخطر ببال واحد منهم أن يدعي أن الأمة عامة تعيش عصر استضعاف يوجب عليها الرجوع إلى التدرج في مراحل تشريع الجهاد من إباحته ثم فرضه في حق المعتدي ثم فرضه مطلقا ضد الكفار، ورغم ما مر بأسلافنا من فترات ضعف شديد وهزيمة مادية على أرض الواقع إلا أن شيئا من ذلك التصور لأحكام الجهاد لم يوجد.
سقطت دار الخلافة في أيدي التتار المشركين، وسقط المسجد الأقصى في يد الصليبيين، وسقط الحرم المكي في أيدي القرامطة المرتدين ومع ذلك لم يتجرأ منهم أحد ليدعي أننا في عصر استضعاف يوجب علينا أن ننشغل بالعبادة أو الدعوة أو التربية أو غير ذلك من المخارج التي يتحايل بها أهل هذا الزمان للخروج من (مأزق) فرضية الجهاد على الأمة!. لم يكن ذلك التفكير متصورا إلا في عرف أهل التصوف ومن على شاكلتهم ممن يعطلون الأخذ بالأسباب المادية المأمور بها شرعا ومع ذلك فلا أذكر أن أحدا منهم علل لقعوده بمثل هذه الفلسفة لتشريع الجهاد وحكمه.
والسبب في ذلك والله أعلم أن الأمة لم تتمكن منها الهزيمة النفسية والإحباط القاتل بل ظلت معتزة بدينها فإذا ما غفلت مدة من الزمن وتسلط عليها الأعداء صحت من غفلتها وعرفت داءها ورجعت إلى دينها وفكرت بالجهاد في أوائل الحلول للخروج من مأزقها فلا تلبث أن تتعافى من مصابها.
مر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وأنصار دعوته وتلاميذه بمثل هذه الظروف الصعبة التي نعيش اليوم ومع ذلك لم تنشأ عندهم فكرة الرجوع إلى أحكام العهد المكي والسبب أنهم لم يجدوا لذلك مستندا من الشرع أما أهل هذا العصر ممن استهواهم الفكر والرأي وحكموه على الواقع وعارضوا به الشرع فإن فكرة المكية في أحكام الجهاد فقط من المحكمات عندهم رغم تناقضهم وتخبطهم فيها. وحين أقول (في أحكام الجهاد فقط) فإنني أعني ما أقول إذ لولا هذا القيد لشابهوا جماعة التكفير والهجرة التي تعمم حكم المكية في غير الجهاد من الشرائع فنكاح المشركات حلال! وذبائحهم لا تحرم! كما هو الحال في العهد المكي! إلى غير ذلك مما يعلم بطلانه أدنى من له معرفة بأحكام الشرع.
فأصحاب هذه الفكرة بين أمرين أحلاهما مر: إما تعميم حكم المكية في بقية الشرائع غير الجهاد وهذا ما لا يقولون به ولا يجرؤون عليه لظهور بطلانه، أو استثناء الجهاد من بقية الشرائع فيقعون في التناقض من جهة التفريق بين المتماثلات، وخذ مثالا على ذلك حكم الخمر فقد كان تشريعه متدرجا حيث وصف بأن فيه إثما كبيرا من غير تحريم ثم حرم شربه وقت الصلاة ثم حرم مطلقا، وقد كان هذا التدرج لحكم أرادها الله سبحانه ومع ذلك فإن أحدا لا يقول بإمكانية تطبيق هذا التدرج في هذا العصر والسبب في ذلك أن حكم الخمر محكم ومقرر بالنص ولا يقبل الاجتهاد وكذلك حكم الجهاد ومراحل تشريعه التي استقرت لا تقبل الاجتهاد المعارض للنص كما هو اجتهاد دعاة التربية والتصفية.
بقي أن نقول إن ثمة جانبا مؤثرا في باب الجهاد قد يشتبه بأمر التدرج في مراحل تشريع الجهاد وهو جانب القوة والضعف فلهما تأثير في أحكام الجهاد من جهة الثبوت والسقوط.
فمن الجهاد ما يسقط بالعجز ومنه ما يدخل فيه تقدير المصالح والمفاسد مما يحتاج إلى تفصيل في غير هذا الموضع لكن المهم تقريره الآن هو أن هذا الجانب يختلف جذريا عما نحن بصدده وآثاره تختلف عن هذا الجانب والخلط بينهما يورث أخطاء تطبيقية كثيرة لا يسلم منها إلا من عصمه الله وهداه للحق.
[عن مجلة صوت الجهاد > العدد الثالث]