[الكاتب: أبو عبد الله السعدي]
هل يسعى المجاهدون لإقامة دولة إسلامية؟
نعم، ومن غير شك، فهم يسعون لإقامة دولة الإسلام ليحكموا شريعة الله بين عباده،
قال الله تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} .
كثيرا ما يعترض على جهاد المجاهدين بشبهة غريبة مفادها أن لا جهاد حتى تقوم الدولة، وحتى يتميز المسلمون في بلد أو ناحية غير ناحية العدو.
ويكفي في رد هذه الشبهة المطالبة بالدليل الشرعي عليها، ولا دليل يستدل به أصحاب هذه الشبهة، لكنهم قد يحتجون غير فعل النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته التي سار عليها في تأسيس الدولة، ونبينا صلى الله عليه وسلم نعم القدوة والأسوة، وقد أمرنا الله باتباعه فقال {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ، ولكن الذين يقصر فهمهم في طريقة ذلك الاتباع يجدون أنفسهم في مضايق ومآزق لا يخرجهم منها إلا حسن الفهم الذي هدى إليه الشرع، فإن المتبع على غير بصيرة ربما اتبع النبي صلى الله عليه وسلم في أمر خاص به، أو ربما اتبعه في أمر منسوخ، أو ظن وجوب الاتباع فيما اتباعه سنة غير واجب، أو غير ذلك من الأخطاء التي تحيد بصاحبها عن الصواب.
ومن أمثلة ذلك هذه الشبهة التي نعرض لها اليوم: حيث يرى بعضهم أن دولة الإسلام لا تقوم إلا بنفس الطريقة التي قامت عليها دولة الإسلام الأولى، ومن ثم يعترض بناء على ذلك على أي جهاد يقوم قبل قيام تلك الدولة.
أوربما اعترض بتلك الشبهة على بعض صور الجهاد دون بعض، وقد سبق في عدد ماض الحديث عن النسخ الذي طرأ على طريقة إقامة دولة الإسلام مما يتعلق بمراحل تشريع الجهاد، وما أريد قوله الآن هو: أن في هذا الكلام خلطا كبيرا إذ إن الجهاد القائم اليوم كله جهاد دفع سواء ما كان منه في فلسطين أو الشيشان أو أفغانستان أوفي جزيرة العرب أو في أمريكا وبريطانيا فكله من جهاد الدفع إذ غايته رد العدو الصائل ونصرة المستضعفين والدفع عن أعراض المسلمين وأموالهم وأنفسهم، وأديانهم قبل ذلك.
فكيف إذن يراد لهذا الجهاد أن يتوقف بشبهة أن الجهاد لا يكون قبل الدولة؟ أي دين أو عقل يقضي بذلك؟
ثم لنفرض أن هذا الجهاد هو لإقامة دولة الإسلام فهل يصح أن يعترض عليه بتلك الشبهة أيضا"لا جهاد قبل الدولة"؟!
أبدا لا يصح ذلك وإلا لوجب أن تتبع جميع خطوات إقامة الدولة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم فيقوم العازمون على إقامة الدولة بعرض أنفسهم على القبائل، والبحث عن موطن هجرة، ثم الانتقال إليه دون إراقة قطرة دم واحدة قبل قيام الدولة!! فهل قال أحد من المسلمين بمثل ذلك؟!
-وكيف إذن تقوم دولة الإسلام إذا لم يجز الجهاد قبل الدولة؟
-هل ننتظر أن تنزل ملائكة من السماء لتقيمها ونحن قاعدون؟
-أم نتوقع أن يتنازل لنا أعداء الله طواعية ويسلموا لنا زمام الدولة لنحكمها بشرع الله؟
قال الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز:(وقد خرج جماعة من المسلمين على الحكام المرتدين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده، دون تميز في الديار أو مفاصلة، فلما خرج الأسود العنسي المتنبي الكذاب وغلب على اليمن واستولى عليها احتال عليه فيروز الديلمي ـ وكان من أنصاره في الظاهر ـ حتى قتله، وذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم [1] ، ولم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة، وما قال أحد كيف يقتل فيروز هذا الأسود قبل أن ينحاز إلى أرض مستقلة؟ كذلك خرج يزيد بن الوليد وطائفة معه على الخليفة الوليد بن يزيد لما اتهم بالانحلال في الدين حتى قتلوه، دون تميز في الديار [2] ، ونقتصر على هذين المثلين اختصارا ...
وقد انعقد الإجماع على أنه إذا نزل العدو الكافر ببلد تعين على أهله قتالهم ـ أي صار دفع الكافرين فرض عين على المسلمين بهذه البلدة ـ فهاهم المسلمون وعدوهم في دار واحدة، وقد فقد المسلمون استقلالية دارهم بالغزو، ومع ذلك يجب عليهم القتال عينا إجماعا [3] ...
إن هذا القول باشتراط تميز الدارين لوجوب الجهاد هو قول فاسد، وهو يفضي إلى تعطيل الجهاد خاصة جهاد الدفع.
قلت: كذلك فإن هذا القول باشتراط تميز الدارين معناه الاستسلام للأمر الواقع والسكوت عن هؤلاء الطواغيت الحاكمين لبلاد المسلمين، ومعناه إسقاط فريضة الجهاد المتعين على أعيان المسلمين بهذه البلاد، وهذا القول يفضي إلى استئصال الإسلام بالكلية من هذه البلاد في زمن يسير، نعوذ بالله من ذلك) اهـ من العمدة بتصرف.
والخلاصة أن هذه الشبهة ساقطة من وجوه:
1 -أنه لا دليل عليها.
2 -أنه قد انعقد الإجماع على وجوب الجهاد إذا دخل العدو بلد المسلمين دون ذكر للتميز أو قيام الدولة.
3 -أن قيام الدولة لا يمكن أن يحصل إلا بالجهاد.
4 -حصلت وقائع جهادية في تأريخ المسلمين في عهد الصحابة وغيرهم لم يذكر فيها هذا الشرط أو يعتد فيها بهذه الشبهة.
5 -أن حاصله تعطيل الجهاد إلى غير أجل وكفى بذلك دليلا على بطلان هذه الشبهة.
والحمد لله رب العالمين
[عن مجلة صوت الجهاد > العدد السادس]
[1] البداية والنهاية لابن كثير 6/ 307 ـ 310
[2] البداية والنهاية لابن كثير 10/ 6 ـ 11
[3] كما نقلته عن ابن تيمية ـ الاختيارات الفقهية ص: 309