الصفحة 5 من 10

[الكاتب: أبو عبد الله السعدي]

جاء عبد الله بن سلام رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسلما وقال له إن اليهود قوم بهت وإنهم إن يعلموا بإسلامي يقولوا فيّ غير ما يعلمون فاختفى غير بعيدٍ بحيث يسمع كلامهم ولا يرونه فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عنه فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، فلمّا عرفوا بإسلامه قالوا: هو شرنا وابن شرنا.

هذا الرجوع من سفهاء اليهود لم يكن رجوعًا إلى الحق وليس من الفضيلة ولا يمت إليها بصلة قريبةٍ ولا بعيدةٍ بل هو كما وصفه الصحابي الجليل بهتانٌ وزرٌ وكذبٌ، لأنه تغيرٌ لم يبن على تغيّرِ أساسه ومستنده بل مرجعه للهوى ولا شيء غير الهوى، فعبد الله بن سلام رضي الله عنه كان يتمتع بصفات لم تتغير بإسلامه إنما الذي تغير هو أنه كان يهوديا فأسلم فكيف انقلبت تلك الفضائل مساوئ؟ والمحاسن معايب؟ في طرفة عين وانتباهتها؟!

تذكرت هذا المشهد وأنا أرى المنافقين وهم يكيلون مكاييل المدح والثناء، وشهادات التزكية على الجماعات والقيادات والأفراد الذين انتكسوا عن طريق الهدى والصواب فهم عقلاء وأخلاقهم طيبة، وأهل علم وفضل، وعندهم شجاعة أدبية بينما هم بالأمس سفهاء متهورون، جبناء، أهل فتاوى الكهوف والمغارات، متشنجون، وليسوا من أهل العلم ولا يحق لهم الإفتاء ولا التدريس، عجبًا والله كيف حصل كل ذلك بهذه السرعة؟

هم تراجعوا عن فتاوى معينة أو أطروحات محددة، بينما أوصافهم وعلمهم وأحوالهم ثابتة لم تتغير، وطبيعتها تتراوح بين الثبات أو بطء التغيّر فلا يتناقض أحدٌ في الموقف منها إلا كان ذلك دليلًا على اتباعه للهوى، وقلة ورعه، وسوء طويته، وانتهاجه منهج البهتان على سنن سفهاء يهود.

كذلك تذكرت الموقف الصحيح الذي يجب اتباعه حيال تغير الأشخاص، وتبدل المواقف، وتحول المسارات وهو أن يكون الحق هو المحور الذي يرتبط به المسلم والمجاهد فيدور معه حيث دار، تحقيقًا لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لا يكن أحدكم إمعة يقول إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا أن تجتنبوا إساءتهم) ، ولقول ابن مسعود رضي الله عنه: (الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك) ، وقوله رضي الله عنه: (من كن مستنًا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة) ، وهذا دليل صدقٍ وعلامة رشاد، وهو النهج القويم الذي لا ينبغي لمريد الحق أن يحيد عنه.

فالحق قديم، وهو أحق أن يتبع، والله أحق أن نخشاه ... فالرجوع لا يكون فضيلة إلا إذا كان إلى الحق ومقصودًا به الحق، أما التعلق بالأشخاص والدوران في فلكهم والتأثر بتقلباتهم فهو سبيل الخاسرين، والضعفاء والمنهزمين، الذين ما عرفوا حقيقة العبودية وأنها لله وحده لا شريك له سبحانه فليست لنبي ولا لرسول فضلًا عن الأحبار والرهبان والعلماء.

شتان بين قومٍ تربوا على التقليد والتبعية العمياء، وعلى تقديس المشايخ والدعاة والرموز فهم يتقلبون معهم كيفما انقلبوا ويتيهون حيث تاهوا فمرة ذات اليمين ومرة ذات الشمال من غير أن تسأل هذه الجموع البلهاء قادتها وساستها ومنظريها عن المصير والوجهة وسبب التراجع وطبيعة التغير ..

تتبعهم تلك الجموع الضائعة في تقلبهم وتلونهم ويخرجون من السجن وتمر السنون الطوال ينكصون فيها على أعقابهم دون أن يصدق البلهاء أن أشياخهم قد تغيّروا فضلًا عن أن يحاسبوهم أو يناقشوهم فتلك الخطيئة الكبرى والذنب المقيت الذي مس جناب الشيخ المعظم وقداسة الرمز المفخّم.

جموعٌ تدافع عن الرموز أكثر من دفاعها عن المنهج، وتغضب لانتهاك حرمة الرد عليهم - ولا حرمة تعصمها من الرد - أكثر مما تغضب لانتهاك حرمات الله.

جموعٌ يسيرها الهوس العاطفي والعلاقات الشخصية والظروف النفسية التي تحكم علاقاتها بدلا عن ضابط الحب في الله والبغض في الله.

شتان بين هؤلاء القوم وقوم آخرين نور الله بصائرهم ربطوا مصيرهم بالحق وعاشوا لأجل الحق، ولم يعظم في نفوسهم معظم إلا بقدر الحق.

متى نكص ناكص على عقبه غيروا موقفهم منه كما تغير موقفه من الحق، من غير جحودٍ لشيءٍ من صفاتِهِ التي لم تتغير أو لا تتغير، فلا يُنكر أنّ فلان بليغ منطيقٌ، وفلانٌ حاضر البديهة وافر العقل، وهذه مما يجتمع مع الضلال حينًا ويُفارقه حينًا، فهذا مقتضى العقل والعدل والحكمة والشرع.

والرجوع إلى الحقّ يكون بالدليل كما أنّ الأخذ بالحق ابتداءً لا يكون إلا بالدليل، وأمارة من رجع إلى الحق أنه يرجع من الإجمال إلى التفصيل، ومن الجهل إلى مزيد العلم، ومن الرأي إلى الدليل، أما ما كان بضدّ ذلك، فلا يكون رجوعًا إلى الحق لأن الحق أولى بالدليل والعلم والتفصيل من كل باطل.

كما أنّ الحق أقرب أن يصدر ممن ليس عليه ضغوط ولا تثقل قدميه القيود، وليس الحق ما لا يظهر إلا في الأصفاد والأغلال، وتحت ولاية أهل الضلال.

والله أعلم

[عن مجلة صوت الجهاد > العدد الخامس]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت