وعلى أي حال فإنه في ذلك المناخ الذي شاع فيه الاضطراب وانعزل فيه الرئيس وأقطاب إدارته ـ على الأقل بالمكان ـ توالت القرارات بعصبية زادت من تأثير الصدمة أكثر مما ساعدت على استيعابها. فقد صدر على سبيل المثال أمر بإغلاق المجال الجوي الأمريكي كله، وظل الإغلاق كاملًا خمسة أيام كان الدواء فيها أكثر خطرًا من الداء"كما حدث لشركات الطيران الأمريكية التي تقدر خسائرها يوم الصدمة الأولى بستة بلايين دولار".
والأغرب من ذلك أن الرئيس الامريكي وأركان حكمه لم يكونوا وحدهم فيما تصرفوا به وإنما كانت المصيبة أكبر لدى المسئولين عن وضع القرار الإستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية وفيهم من كانوا في المسئولية قبل الرئيس، ومعه، وبعده. لأنهم أقطاب المؤسسات الدائمة المسئولة: وفيها مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، ووزارتا الدفاع والخارجية، وهيئة أركان الحرب المشتركة، ووكالات المخابرات العسكرية والعامة، إلى جانب إدارات التخطيط الإستراتيجي للدولة القائدة للنظام الدولي في هذه اللحظة من التاريخ.
كانت مسئولية هؤلاء جميعًا أفدح من التقصير أو النسيان لأنهم - وليس غيرهم - الذين فكروا وقدورا وخططوا ورسموا شكل"التحدي القادم"على أمن ومصلحة الدولة الأمريكية - ووصلوا في تحديد ذلك الخطر إلى درجة اختيار اسم يطلقونه عليه وهو"الحرب غير المتوازية"Asymmetrical War.
والحقيقة أن هؤلاء المسئولين عن صنع القرار الإستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ سنة 1995 على الأقل، كلفوا بدراسة التهديد والخطر اللذين تواجههما الولايات المتحدة الأمريكية في المستقبل المنظور وكيف تستطيع أن تتأهب لهما. ولعدة سنوات كان عمل هؤلاء المسئولين دءوبًا حتى توصلوا في نهاية إدارة كلينتون"2000"وبداية إدارة بوش"2001"ـ إلى وضع إستراتيجية رأوها كافية، وقد عرضوا ما توصلوا إليه على وزير الدفاع الأمريكي السابق"ويليام كوهين"فوافق عليه كإستراتيجية أمن أصدرها الرئيس"بيل كلينتون"فيما يسمى بـ"التوجيه الرئاسي".
وهذا"التوجيه الرئاسي"انتقل من إدارة"كلينتون"إلى إدارة"بوش"وأعيدت دراسته وتأكد أعتماده من جديد بتوقيع"جورج بوش"عليه.