والمفارقة أن أول تصريح للجنرال"شيلتون"أعلن للرأي العام بعد تلك المشاهد المروعة فوق نيويورك وواشنطن هو قوله"لا تقعوا في الخطأ ـ قواتكم المسلحة جاهزة"وكأن الناس لم يروا بعيونهم أن القوات المسلحة الأمريكية أخذت على غرة ولم تكن مستعدة برغم تصوراتها وتقديراتها السابقة عن نوع جديد من الحرب! ثم لحقه"دونالد رامسفيلد"وزير الدفاع بتصريح قال فيه"اطمئنوا: البنتاجون سوف يستأنف العمل كالمعتاد غدًا"كأن البنتاجون دكان بقالة أغلق أبوابه يومًا بسبب ظرف مفاجئ أصاب عائلة صاحبه!""
على أن الرئيس"جورج بوش"عندما مسح الدموع كان اكثر دقة"فالذين كتبوا له خطابه كانت لديهم فسحة وقت كافية، وكانوا على علم بالتوجيه الرئاسي الذي حمل توقيع الرئيس بناء على توصيات هيئة أركان الحرب، وغيرها من الأجهزة، الظاهرة والخفية لصنع القرار الأمريكي". وهكذا كان أول تعليق لـ"بوش""هذا إعلان حرب"ثم أضاف:"هذه حرب جديدة"، ثم زاد:"هذه حرب القرن الواحد والعشرين"!
كانت الإشارة واضحة إلى فكرة الحرب"غير المتوازية"!
وتحتاج فكرة الحرب"غير المتوازية"إلى وقفة ترسم الفاصل بينها وبين الحرب"غير المتوازنة"، لأن كلا منهما تنتمي إلى فصيلة. ذلك أنه منذ قامت الدولة على مجرى التطور الإنساني، وقامت هذه الدولة بإنشاء جيوش نظامية تحقق من مطالبها ما يستدعي استعمال السلاح ـ دارت الحروب على أساس التوازن"أو عدم التوازن"في القوة وتلك الطبيعة الأمور كما عرضت نفسها.
بمعنى أنها جيوش منظمة تستعمل نفس الأسلحة.
ـ جواد ورمح أمام جواد ورمح ـ في عصر.
ـ مدفع وقذيفة أمام مدفع وقذيفة ـ في عصر ثان.
ـ دبابة وطائرة أمام دبابة وطائرة ـ في عصر ثالث.
وكان توازن القوى يؤدي عمله في درجة استعداد هذا الطرف أو ذاك، وفي كفاءة إدارته لموارده أو عجزه، حتى يأخذ حركة"الميزان"لصالحه، ويحقق"عدم التوازن"وينتزع لنفسه النصر.
ومع أن زمان هذا النوع من الحروب عرف درجات متفاوتة من العمل المسلح مثل حرب العصابات في المدن والجبال والأدغال، فإن منطق"توازن"القوى ـ أو"عدم التوازن"ظل ساريا.
لكن الحرب"غير المتوازية"مسألة أخرى.
ـ بداية ليس هناك ميدان يتقابل فيه المتحاربون أمام بعضهم مواجهة أو بالالتفاف.
ـ يلي ذلك أن"السلاح"ليس"متماثلًا"حتى وإن اختلفت درجات قوته.
ـ ثم إنه ليست هناك صلة بين فعل ورد فعل تجري ممارسته على ساحة معينة يدور فوقها اتصال.