فالطفل في كل الأوطان رمز للبراءة، وخروجه إلى مقاومة الدبابة يجسد معنى الجرأة حين يدعو إليها اليأس، واستعمال الطفل للحجر يلتقطه من العراء حرب بغير تكلفة مادية، وحرب لا تحتاج إلى عبء إداري، وهي مستغنية عن التنظيم بتلقائية مثالية تشيع روحًا مشتركة في المقاومة، إلى جانب أنها تستدعي إيماءة دينية من حيث أن الرجم بالحجارة يقترن بمقاومة الشيطان في الإسلام.
وقد بدت"الانتفاضة"أمام أصحاب نظرية الحرب"غير المتوازية"ظاهرة تدعو لإطالة التفكير باعتبارها تجديدًا للوسائل في قوة المقاومة.
وربما أنه من الخبرة في مقاومة الانتفاضة، فإن أجهزة المخابرات الإسرائيلية هذه الأيام شديدة النشاط في كتابة تقارير تزعم لنفسها خبرة طويلة في ممارسة الحرب"غير المتوازية"،"مع أن خبرة"آرييل شارون"رئيس وزراء إسرائيل لا ترشحه دليلًا تلتمس خبرته، في مقاومة الإرهاب ـ بل العكس صحيح!"
* الملاحظة الثانية: إن وثائق الاستراتيجية الأمريكية الجديدة ـ وفيها التوجيهات الرئاسية لـ"كلينتون"و"بوش"ـ تظهر أن الحادث الذي تعرض له الطراد"كول"في ميناء عدن"أكتوبر 2000"جرى اعتباره الضربة الأولى المؤكدة في الحرب"غير المتوازية".
فهناك في اليمن، بعيدًا عن أي فعل ورد فعل، وبدون ميدان مواجهة قائمة أو محتملة، أقدم رجلان يصفهما تقرير أمريكي بأنهما"ملآ أشداقهما بنبات القات المخدر وركبا قاربا مطاطيا مستعملا لا يزيد ثمنه على مائتي دولار، ثم سارا به وسط ميناء عدن على مرأى ومسمع من مئات الناس"وفيهم البوليس اليمنى والحراسة الأمريكية على ظهر الطراد" ثم اصطدما بـ"كول"وحولا أرواع المفاخر البحرية في ترسانة القوة البحرية الأمريكية إلى بطة مكسورة الجناح تعرج فوق الموج عاجزة ومهانة!"
ويظهر في الوثائق أن الإستراتيجية الأمريكية الجديدة لم تعتبر بحوادث غير تقليدية سبقت حادث الطراد"كول"ولم تقم بتصنيفها تحت بند الحرب"غير المتوازية"مع أنها تبدو كذلك للوهلة الأولى:
? فهي لم تعتبر أن ضرب قوات"المارينز"حول السفارة الأمريكية في أجواء الحرب الأهلية في لبنان"أكتوبر سنة 1983"من أعمال الحرب"غير المتوازية"وإنما اعتبرتها تنويعات من نماذج الحرب"غير المتوازنة".