وكانت"أفغانستان"هي المدخل الأقرب للتجسس على عمق"الاتحاد السوفيتي"انطلاقًا من القواعد الأمريكية في"باكستان"، وكان مطار"بيشاور"بالتحديد هو منطلق طائرات التجسس الأمريكية الشهيرة من طراز"يو 2"وقد انكشف أمرها وأسقطت إحداها، وأدى ذلك إلى فضيحة مدوية في العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وبين وقائع الفضيحة تشاتم كاد أن يصل إلى حد التشابك بالأيدي بين الزعيم السوفيتي"نيكيتا خروتشوف"والرئيس الأمريكي"دوايت أيزنهاور"في الجلسة الأولى من مؤتمر قمة انعقدت في باريس سنة 1960 وكانت نفسها الجلسة الأخيرة.
والواقع أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بدأت التحريض ضد الاتحاد السوفيتي ـ باسم الإسلام ـ ومن وراء حدود أفغانستان بينما النظام الملكي يحكم في"كابول"والعرش عليه الملك"ظاهر شاه"والسلطة الحقيقية في يد ابن عمه ورئيس وزرائه السردار"داود خان".
وقد أدى التحريض إلى قلاقل أوصلت إلى عزل الملك"ظاهر شاه"وجاءت بـ"داود خان"لرئاسة الدولة في محاولة لتهدئة التحريض ولم تنجح. وكذلك وقعت سلسلة انقلابات في أفغانستان انتهت جميعًا بتدخل سوفيتي صريح في أفغانستان بدعوة"شرعية"من قائد انقلاب شيوعي هو الجنرال"بابراك كارمل"سنة 1979.
وهنا انتقلت المخابرات المركزية الأمريكية من التحريض إلى انتهاز الفرصة لحرب استنزاف خفية تشن على الاتحاد السوفيتي باسم الإسلام، وتصادف أن ذلك وقع في الأجواء العاصفة للثورة الإسلامية في إيران وتأثيراتها على ما حولها.
وكانت حرب استنزاف الاتحاد السوفيتي ـ بعد حرب التحريض عليه ـ تخطيطًا أمريكيًا، وإشراف باكستانيًا، وتمويلًا خليجيًا"سعوديًا في أكثره"، ومشاركة عربية متعددة الأطراف فيها من قدم السلاح والعتاد وفيها من قدم المجندين والمتطوعين الذين اعتبروا أنفسهم مجاهدين ضد الإلحاد.
وفي حين أن العدو الحقيقي للعرب والمسلمين كان الاغتصاب الإسرائيلي في فلسطين، فإن العمل العربي والإسلامي ذهب للجهاد في أفغانستان مقاتلًا ضد الإلحاد المادي الذي دخل من بوابات"كابول"وكانت الخطط الأمريكية محكمة، والإشراف الباكستاني حازمًا"يشرف عليه رئيس المخابرات العسكرية الباكستانية الجنرال"حميد غول""، والتمويل الخليجي سخيًا، وحشد السلاح وتجنيد المتطوعين شديد الهمة والعزم.