وتقول كافة الشواهد أن شبابًا عربيًا مسلمًا أضاع نفسه وهدفه وحياته في حرب لا معنى لها ضد طرف لم تثبت عداوته لا للعرب ولا للمسلمين، لكنه اتهم بالإلحاد واختص بالعقاب رغم وجود كثيرين غيره في عالم ضاع منه الكثير من اليقين!
وكان تنظيم"القاعدة"هو القيادة التي وضعت تحت تصرفها كل إمكانيات التكنولوجيا الأمريكية، وكل مقدرة العسكرية الباكستانية، وكل كرم التبرعات الخليجية والسعودية"صندوق دوار فيه دائمًا 500 مليون دولار"، وكل نشاط التسليح والتجنيد المصري والسوري والمغربي وحتى الفلسطيني"بما وصل مجموعة الكلي على مساحة خمس سنوات إلى قرابة خمسين ألف شاب مسلم نصفهم من العرب بينهم ستة آلاف مصري على أرجح التقديرات". وقد درب هؤلاء جميعًا بكل جد، وشحنوا بطاقة إيمان مشبوبة بالنار.
لكنه عندما انتهت الحرب الباردة ورفعت الولايات المتحدة يدها عن الحرب الخفية في أفغانستان وكفت المخابرات المركزية الأمريكية عن التخطيط للمعركة ضد الإلحاد الشيوعي، أصبح الاستمرار الأمريكي والعربي الرسمي غير مبرر وغير مطلوب وبالتالي وقع الانسحاب.
وحاول تنظيم"القاعدة"أن يواصل ما يقضى به الإيمان ـ لكنه ما لبث أن تحول في نظر الذين قاموا على إنشائه: من كتائب جهاد إسلامي، إلى عصابات إرهاب إجرامي.
وسقط شباب كثيرون مسلمون وعرب في هذه الفجوة بين الجهاد والإرهاب وخرجوا من زمنهم ومن المستقبل. وكانت الأنظمة التي أرسلتهم إلى الجهاد ضد الإلحاد هي نفسها الأنظمة التي استقبلتهم حين عودتهم إلى بلادهم بإيداعهم وراء قضبان السجون بتهم ثابتة في بعض الأحيان وبشكوك مستريبة مقدمًا في أحيان أخرى!
* الملاحظة الرابعة: تخض"أسامة بن لادن"نفسه، وهو شخصية يمكن فهمها بدون حاجة إلى دراسة عميقة في"علم النفس"تغوص في النوازع والهواجس الداخلية لتصرفات البشر. والقصة فيما هو شائع ـ قصة شاب من عائلة سعودية لها جذور يمنية تعمل بالمقاولات، وكان له مكتب يمارس نشاطه التجاري في أفغانستان، وعندما بدأت الحرف الخفية"ضد الإلحاد"في أفغانستان، استعمل مكتب"بن لادن"واجهة لتوصيل الأموال بشكل يبدو مشروعًا إلى أوجه من النشاط لم تكن وقتها مشروعة.