لكن الذي حدث ـ وتلك حالة طبيعية ـ أن الشاب عاش دوره لكي يتسق مع ضميره فاعتبر نفسه مسئولًا عن محاربة الإلحاد وتلبس بالكامل دوره، وذهب بعيدًا في تصديق الوهم، خصوصًا عندما جرى الانسحاب الأمريكي ولحقه الانسحاب العربي الرسمي تمويلًا وتسليحًا وتعبئة!
ذلك أنه عند هذه النقطة كان"أسامة بن لادن"أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن ينسحب من الساحة هو الآخر وبالتالي يصبح أمام نفسه وأمام الآخرين مجرد وكيل للمخابرات المركزية الأمريكية وكفيل لأصدقائها من الآسيويين والعرب ـ أو يواصل"المهمة"على مسئوليته ليؤكد لنفسه ولغيره أنه كان طول الوقت مجاهدًا وقائدًا للمعركة ضد الإلحاد.
ومع أن المعركة في أفغانستان بعد الانسحاب السوفيتي لم تعد لها صلة ـ ولا حتى بالادعاء ـ بين إيمان وإلحاد، وإسلام وكفر، لأنها أصبحت حربا بين قبائل وعشائر ومشايخ، فإن"أسامة بن لادن"ظل يقود تنظيمًا بلا قضية في أرض بلا هوية"لأن الماضي إذا أصبح هوية أضاع قيمة الحياة ومعنى التاريخ".
وكان أن الرجل لم يجد لنفسه خيارًا آخر رغم أن الحصار أخذ يطبق عليه، ورغم الأمراض التي أصابته، والتي تقدر وكالة المخابرات الأمريكية المركزية أنها تهدده بالموت فيما بين سنتين إلى ثلاث سنوات على أكثر تقدير!
وفي الواقع فإن قصة"بن لادن"أصبحت شبيهة بأسطورة الوحش الذي خلقه الدكتور"فرانكشتين"في الرواية الشهيرة لـ (ماري شيلى) وكان قصد الدكتور (فرانكشتين) في الأصل أن يثبت قدرة العلم على معجزة الخلق، لكن القصد خاب لأن الحياة ليست"كيانًا"يتحرك وإنما هي في الوقت نفسه"روح"تنبض، ووقع فعلًا في الرواية أن الحياة المصنوعة هددت صانعها، واضطر العالم إلى درء خطر معجزته عن نفسه، وقام بتدمير الوحش الذي صنعه وتفكيك أجزائه بالتكسير وبالحرق والصعق!
وذلك بالضبط ما يجري الآن. مع أن"بن لادن"ليست له قوة وحش"فرانكشتين"فهو على وجه القطع لا يستطيع أن يخطط أو يدير أو يسيطر على عمليات من نوع صواعق نيويورك وواشنطن، فضلًا عن أنه لا يظهر ما يؤكد أن صواعق"نيويورك"و"واشنطن"مسألة لها علاقة بحق عربي مغتصب في فلسطين أو بحق إسلام يتهم بما ليس فيه هذا الزمان، والواضح أن المسألة أوسع من ذلك وأعم، والأغلب أنها تتصل بعولمة الرفض والإرهاب أكثر مما تتصل بخصوصية القضايا العربية أو الإٍسلامية!