? وتكاد تحركات"الفاعل"وحتى مزاجه في الفعل توحي بأن التخطيط"عسكري". فذلك بالفعل مستوى الترتيب والتنفيذ، وعقلية ونفسية الإدارة، مع تصور"نظامي"شديد الوضوح، فهناك"تجهيز معركة"، وهناك"تدريب معركة"، وهناك"أرضية وخطوط إمداد معركة"، وتلك شواهد على أنه إذا لم يكن هناك شكل لـ"تواجد"عسكري ملموس فإن هناك ظلا لتواجد عسكري محسوس.
والتواجد العسكري المحسوس مع برودة أعصاب تتجلى في الصبر الدءوب على التفكير والتخطيط والترقب والتنفيذ ـ يبدو مستعدًا بتصميم محكوم بإرادة أكبر من أن تنتسب إلى الانفعال ـ لمواجهة انتحار مؤكد. وذلك نوع من الفعل ظهر مفعوله ـ بدرجات متفاوتة ـ في مسار صراعات تاريخية انكسرت فيها وطنيات وحوصرت هويات، وضاقت نفوس بما عانت وقاست، وتحملت به وخضعت له.
والذين يطرحون هذا التصور ـ وغيره ـ في أوروبا وحتى في عاصمة حلف الأطلنطي يصلون في النهاية إلى أن تلك الإشارات تكاد أن تكون لمسات فرشاة تمزج البقع بالأسود والرمادي والأحمر، وترسم لوحة عليها مساحات شديدة الغموض مفتوحة للخيال والتأويل. وكان أكثر ما تثيره لمسات الأسود والرمادي والأحمر مشاعر وهواجس تستعيد شروط"الفاعل"وهي تلفت النظر إلى"البلقان"وصراعاته وبالتحديد إلى عناصر"صربية".
هناك قومية اعتدى عليها وجودًا ومشروعًا وكرامة.
وهناك جيش تم ضربه وتمزيقه وأهانته.
وهناك شعب تعرض لغارات الأطلنطي تتقدمها أساطيل الجو الأمريكية لمدة خمسين يوما.
وهناك زعماء سياسيون وعسكريون مهزومون، بعضهم مطارد وبعضهم مطلوب لقانون أملته شروط الغلبة، بل إن بعض الرموز الصربية وراء قضبان السجون فعلا.
وفي بقايا الجيش الصربي عناصر لديها المؤهلات المطلوبة، ولديها طاقة الغضب الجامحة، ولديها التصميم على الانتقام والثأر مهما كان أو يكون، ولديها جسارة المخاطرة بملاقاة الموت دون اعتبار هذا النوع من الموت انتحارًا.
بالإضافة إلى ذلك فإن تلك العناصر الصربية مستوفية كل شروط"الفاعل"كما وقع توصيفها: قادم جديد إلى الرفض ما زال خياله غير محدد. وليست له سجلات سابقة تلاحقه وتتابعه خارج دائرة معينة.
ولديه الشحنات والطاقات والقدرات والمهارات التي تهيئُه لتطاير الشرر.