ورحت أتابع ما بدا لي ـ رغم مأساويته ـ حدثًا عاديًا يقع مثله كل يوم مع اختلاف الظروف والمواقع. ثم استجد بعد دقائق ما ظللت لبعض الوقت غير قادر على تصديقه، فقد ظهرت على حافة شاشة التليفزيون طائرة ثانية، اخترقت الصورة بسرعة، ثم نفذت في البرج الثاني، ومع أنه كان من العسير على أي عقل أن يستوعب معنى ما جرى، فإن الحقيقة كانت أمام العيون تفرض يقينها، حتى وإن كانت هذه الحقيقة عصية على التصديق، متفوقة على الخيال، داعية إلى الانبهار قبل إدراك أن الصور وراءها ـ بالضرورة ـ مصائب ومآسٍ إنسانية.
ثم يزداد عمق الفجوة بين الصورة المبهرة والحقيقة الدامية، عندما يبدأ البرجان التوأمان ـ العملاقان ـ في الانهيار ـ من الداخل كأنهما صرح يسقط راكعًا على ركبتيه مكومًا على الأرض ومن حوله جبال من ركام الحديد والحجر، فوقها كتل اللهب المتهاوية تسحق أجسادًا وأرواحًا ولحمًا ودمًا وآمالًا وطموحات دهمها الموت، وهو موت رهيب بآلامه وعذابه، وخصوصًا أن زمان المأساة طال ما بين اصطدام الطائرة الأولى ببرج التجارة الأول، والثانية بالبرج الثاني، وتهاوى التوأمان العملاقان بثقلهما المخيف على ما بين خمسة آلاف إلى ستة آلاف من البشر ـ وهو زمان طال مداه قرابة الساعتين، يعلم الله ما جرى فيهما.. وكيف؟
ولبعض الوقت دار في خلدي أن ما وقع أمام عيني وأمام عيون مئات الملايين من الناس، يحرض على السفر أكثر مما ينهى عنه، فما جرى هو بالنسبة للصحفي حدث مهوّل ـ لكن صوت النهي كان مسموعًا من حولي وأسبابه متنوعة. وعندما دخل الليل، كانت الأنباء تقول أن عاصفة النار والدمار فوق نيويورك وواشنطن فجرت بعدها إعصار غضب وجنون، اجتاح الولايات المتحدة الأمريكية من الشرق إلى الغرب، ووصلت آثاره بعيدًا وعميقًا، وأن كل ما هو عربي ومسلم أصبح معرضًا ومكشوفًا، ولم يكن ذلك في حد ذاته ما جعلني أغير رأيي، وإنما غيرت رأيي لإدراكي أنه بعد كل ما جرى فلن أكون حيث أذهب سائلًا، وإنما سوف أكون مسئولًا، ولن أكون زائرًا يرغب في السماع، وإنما"صاحب بيت"ـ مفروض عليه أن يتكلم، ولم أكن على استعدادًا لأكثر من سبب:
فيها أنني في شأن ما جرى متابع مهتم، وليس طرفًا ضليعًا في الموضوع وخباياه. وفيها أن ما لدي من الأسئلة، كان كثيرًا قبل الواقعة، ثم أضيف إليه الأكثر بعد الواقعة.