وفيها أنه ليست عندي إزاء ما رأته الدنيا بأسرها إجابات، وحتى إذا كانت عندي اجتهادات ـ وليس إجابات فليس يعنيني الآن طرحها بقدر ما يعنيني أن أسمع غيري إذا توصل لشيء. مع أن الإشارات الأولى كشفت أن الكل مذهول بالمفاجأة، مأخوذ بصورها، مروع بالمأساة بعد المفاجأة ووراء الصور، ثم إن المزاج العام ساخن وكذلك منفلت!
وهكذا ـ وفي اللحظة الأخيرة ـ قررت إلغاء ترتيبات السفر، بترجيح أن المتابعة الآن أفضل عن طريق سيل من الرسائل لا ينقطع على الإنترنت، وصور لا تتوقف على شاشات التليفزيون، إلى جانب ما تحمله صحافة العالم وكلها واصلة إلى القاهرة في ساعات، ثم إن المتابعة من مسافة ـ كذلك قدرت ـ أدعى إلى فهم أقل توترًا، وبالتالي أكثر تأنيًا"إذا كان ذلك ممكنًا".
ومضى أسبوع وثان وثالث، ثم عاد الصحفي داخلي يذكر بنفسه ويلح، فسيل الرسائل على الإنترنت مفيد، وشرائط الصور على شاشات التليفزيون معبرة، وصحافة العالم الواصلة تعطى تغطية عريضة شاملة. لكن الصحفي يحتاج أكثر، يحتاج أن يرى بعينيه، وأن يسمع بأذنيه، وأن يلمس بأصابعه، وأن يجلس مع ناس يعرفون، في مواقع تسمح لهم بأن يعرفوا، وأن يسأل ويستجوب ويجادل ويسعى بالحق الطبيعي لمهنته كي يوفر لنفسه رؤية واضحة، على الأقل كافية ـ إذا جاء عليه الدور ليقول ما عنده، بعضه أو كله، وبقدر ما تسمح له الظروف!
وهكذا بعد انتظار ثلاثة أسابيع، عدت أحرك واستعجل إجراءات السفر. ومن باب الاحتياط، فقد تصورت أن أبدأ ببعض العواصم الأوربية، وبعدها أفكر إذا كان عبور المحيط إلى أمريكا مفيدًا، أو أن مناخ الهستيريا الذي تملك الجميع ـ ولهم العذر فيه ـ ما زال مستحكمًا، وإذا كان"ذلك كذلك""كما يقول الفقهاء تجنبًا لتكرار الحيثيات في أية فتوى"ـ إذن فإن السفر يمكن اختصاره، ويكون اقتصاره على أوربا وحدها.
وهكذا كان. والحقيقة أنني لم أندم على الاختصار والاقتصار على أوربا، فما يصلني من الولايات المتحدة كان مزعجًا، ثم إن تجربة شخصية مباشرة ـ ولو أنها واحدة لم تتكرر ـ في لندن زادت من إقناعي، بأنني لم أخسر كثيرًا حين بقيت في أوربا ولم أقارب شواطئ المحيط!
ملخص التجربة: إنني دعوت على العشاء ذات ليلة في لندن صديقًا قديمًا هو"السير مايكل وير"، الذي كان لسنوات طويلة سفير لبريطانيا في القاهرة، ومعه قرينته"الليدي وير"وقد وصلنا جميعًا إلى مطعم"سانتيني"متأخرين وعبرنا بسرعة إلى مائدة تنتظرنا.