فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 240

وعلى أية حال، فقد زاد اقتناعي ـ بعدما سمعت في لندن تفاصيل مستفيضة عما جرى لكثيرين من العرب المسلمين في الولايات المتحدة ـ بأنني فعلت صوابًا باختصار رحلتي واقتصارها على شرق المحيط، وكذلك ظللت مدة الثلاثة أسابيع التي قدرتها لسفرتي، ملازمًا للشاطئ الأوربي للأطلنطي مستغنيًا عن عبور المحيط إلى الغرب الأمريكي، وربما أن ذلك كان أكثر توافقًا مع ميلي وحواسي وبظن أن الإمبراطوريات القديمة مهما كان خلافنا معًا، لديها حكمة التجربة وتوازنها بينما"الإمبراطوريات الجديدة"لديها غرور القوة إلى جانب وحشية الإعلام وطغيان الغنى!

وطوال ثلاثة أسابيع من البحث في عواصم أوربية متعددة ـ ملاحظًا، ومتابعًا أكثر المرات، متكلمًا في أقلها ـ كان في ذاكرتي قول شهير للرئيس الأمريكي الأسبق"دوايت أيزنهاور"ـ جمع خلاصة خبرته قائدًا أعلى لجيوش الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، ورئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية ثماني سنوات ـ وفيه يقول:"إن السياسات الطيبة لا تضمن النجاح أكيدًا، ولكن السياسات السيئة تضمن الفشل محققًا".

وذلك هو محور حديثي اليوم ـ لكنني قبل الخوض فيه أقترح الالتفات بسرعة إلى عدد من الإشارات

الإشارة الأولى:

الإمبراطوريات الحائرة والطرق المسدودة!

باريس:

في باريس تفهم عميق لحق الشعب الأمريكي في الغضب وحق الإدارة الأمريكية في العقاب، لكن.. هناك نوعان من الفهم:

نوع يرق بالتعاطف أحيانًا ـ ونوع يقسو بالنقد أحيانًا أخرى. وفي الحالتين فإن المنطق القانوني الفرنسي يعرض نفسه ـ بالرقة أو بالقسوة متكاملًا: وخلاصته: إن هناك فيما وقع يوم 11 سبتمبر جريمة شنيعة.. وذلك أمر لا يجادل فيه، ولا يستطيع أحد. لكن كل جريمة تحتاج إلى تحقيق يطرح عدة أسئلة:

1ـ كيف وقعت الجريمة؟

2ـ وبالتالي من ارتكبها؟

"ومن الواضح أن الإجابة عن السؤال الأول هي الأساس الذي تقوم عليه إجابة السؤال الثاني".

3ـ يلي ذلك أن الجرائم لا تحاكم بنيران الجيوش، وإنما بنصوص القانون، والاختصاص فيها للبوليس والمحاكم، وليس للطائرات والصواريخ.

4ـ وعند المحاكمة وقبل الحكم، فإنه يتحتم أن تكون الفرصة متاحة للاطلاع على الأدلة، والقرائن، وسماع الشهود، والتثبت من وقوع المسئولية، بحيث تكون للحكم مشروعيته"لأن الجريمة تستغني عن المشروعية، لكن القضاء لا يستطيع"!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت