فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 240

[وحين سمعت أن باريس تتفهم الدواعي التي حدت بالإدارة الأمريكية، إلى أن تتصرف بسرعة وإلى أن يكون تصرفها سريعًا وقويًا، حتى وإن لم تكن لديها خطة مدروسة ومتكاملة ـ فقد تذكرت مرة سنة 1982، قابلت فيها الرئيس"فرانسوا ميتران"، وأيامها كانت الحرب الأهلية في لبنان على أشدها ـ وكان حادث خروج قوات مشاة البحرية الأمريكية من بيروت بعد عملية فدائية لحزب الله راح فيها أكثر من 170 قتيلًا ـ ماثلًا في الأذهان، ومعه حادث مشابه أقل حجمًا في خسائره ضد القوات الفرنسية. ويومها سألت الرئيس الفرنسي عن السبب الذي دعا فرنسا في ذلك الوقت إلى تحريك أسطولها في البحر الأبيض، ثم إن إحدى بوارجه وهي البارجة"جان دارك"راحت تقترب من الشاطئ اللبناني، حتى تكاد تلامسه، لكنها تستدير عائدة إلى عرض البحر، ثم تقترب ثانية وتعود ثانية، ويتكرر المشهد مرات ومرات بطريقة بدت غير منطقية.

وسألت الرئيس ميتران أثناء لقائنا، وأنا ساعتها ضيفه على الإفطار:

"عما كانت تفعله البارجة"جان دارك"قاصدة عائدة أمام شواطئ لبنان، وما كان القصد منه والحكمة"؟

ورد الرئيس الفرنسي قائلًا:"إن ذلك كان طبيعيًا"بل و"ضروريا".

ولم أقتنع، وواصلت سؤالي عن وجه الطبيعة والضرورة فيما فعلته"جان دارك""البارجة!"وتردد الرئيس ميتران"وأكاد أقول تلعثم!"، وإحساسي بينما كنت أتأمله أن المثقف فيه يغالب رئيس الدولة وكذلك قال:

"لك أن تعتبرها نوعًا من الحركة العصبية. التشويح بأطراف الجسم"استعمل الرئيس ميتران تعبير"Gesticulation Politique""."

ثم أضاف:

"إنه يحدث للدول ما يحدث للأفراد حين يواجهون مواقف تقتضي منهم أن يتحركوا، ـ ثم يكتشفون أن الخيارات المطروحة أمامهم لم تنضج بعد، وللحظة فإنهم بدلًا من الكلام"يشوحون"، أي تتحرك أعضاء جسمهم تعبيرًا عما يريدون فعله. وهم لحظتها لا يقدرون".

ويستطرد الرئيس ميتران: "لك أن تعتبر أن"جان دارك"وقتها كانت في ذلك الموقف، تعبيرا عن قوة فرنسية تفرض عليها الدواعي أن تفعل شيئًا، لكن الحقائق على الأرض تمنعها منه: "لنقل أننا لحظتها كنا"نشوح"بالصوت والحركة"."

وقلت: إنني الآن فهمت]

وبعد قرابة عشرين سنة"أكتوبر 2001"، كانت القوة الأمريكية في وضع مشابه، فالدواعي الملحة تفرض عليها أن تتصرف، وترد بكل الوسائل كي تخفف من ثورة الشعب الأمريكي، وتهيئ له أنه"أخذ بثأره وانتقم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت