وفي تلك الزيارة وبعد أيام من لقاء الملك كانت لدى فرصة أن أطوف وأرى ـ وقد أصابني شعور لم يغب طول الوقت بأن البلد"معتقل"في موقعه ـ معتقل في تاريخه، وقد ظللت معطلا في"كابول"ـ أيامًا فوق ما قدرت ـ أنتظر الطائرة القادمة من"بيشاور"، فالعاصمة الأفغانية تحيط بها سلسلة جبال شاهقة يسمونها"تخت سليمان"، والطائرة الوحيدة إلى"كابول"ـ تلك الأيام ـ تجيء من"بيشاور"في الضحى وتعود عند الظهر. لكن الطائرة لا بد أن تجد لها فتحة بين الضباب والجبل حتى تنفذ بينهما إلى مطار كابول على هذه الناحية من"تخت سليمان". وكان أول ما أفعله كل صباح أيام الانتظار أن أقصد إلى ساحة قريبة من الفندق ـ الخان ـ الذي أقيم فيه وأتطلع ببصري إلى أعلى أقيس المسافة بين"تخت سليمان"وبين قاع السحاب، وأتساءل إذا كانت تسمح للطائرة أن تمر أو تعوقها؟ ـ وتثاقلت ثلاثة أيام والجو مغلق، وفي اليوم الرابع سمعت أزيز محركات الطائرة، وأعددت حقيبة السفر وهرعت بأسرع ما استطعت إلى المطار قبل أن تنزل كتل الضباب مرة أخرى تلف الذرى العالية وترقد فوقها على تخت سليمان!]
وفي أزمنة مستجدة فإن نشاط المخابرات الباكستانية والمخابرات الأمريكية عبر الجسر الأفغاني إلى الجمهوريات الإسلامية جنوب الاتحاد السوفيتي، ظل يتسع ويتزايد ويخلق مشكلاته وعقده، ويصنع تواترته وأزماته، حتى ازدحمت الأجواء وضاقت بها سماء"كابول".
والذي حدث أن السردار"داود خان"وهو ابن عم للملك وصهر له ورئيس لوزرائه راح يحاول إقناع الاتحاد السوفيتي بمساعدة أفغانستان ومساعدة نفسه ذات الوقت عن طريق تقديم أسلحة للجيش ومساعدات أفغانستان ومساعدة نفسه ذات الوقت عن طريق تقديم وساعد، ربما لأنه أراد أن يتوقى من بعيد ويصد التيارات"الإسلامية"التي تهب عبر أفغانستان.
لكن نشاط المخابرات الأمريكية والباكستانية على الجسر ـ وفي طبيعة أفغانستان وأحوالها وأجوائها ـ اخترق كل شيء أمامه، وإذا رئيس الوزراء يطيح بالملك، ثم يعلن أفغانستان جمهورية، وينصب نفسه رئيسًا لها ويحاول أن يحكم بيد من حديد تضبط الإسلاميين الأصوليين، وتحجم العلمانيين اليساريين، وكانت مهمة"داود خان"مستعصية بين يمين يهرب إلى الجهل ويسار يندفع إلى المجهول!
وفي ظرف أقل من سنتين كان"داود خان"الواقع بين المطرقة والسندان قد سقط ضحية انقلاب يساري ساندته مجموعة من ضباط الجيش الذين درسوا في الاتحاد السوفيتي!