لم يكن قرار القيادة السوفيتية بدخول الجيش الأحمر إلى أفغانستان سهلا، بل كان اختيارا بالغ التعقيد فرض عليها ما لم تكن مستعدة له أو متفقة عليه. والحقيقة أن قرار التدخل أحدث انقسامًا داخل المكتب السياسي للحزب الشيوعي، كما أنه أوقع خلافًا بين المكتب السياسي وبين القيادة العليا للقوات المسلحة السوفيتية. وطبقًا للوثائق"التي فتحت ملفاتها قبل أوانها بأمر من الرئيس الأسبق"بوريس يلتسين"بقصد تحديد المسئوليات في النهاية المؤلمة للنظام الشيوعي"ـ فإن أول إشارة واضحة عن احتمال دخول الجيش السوفيتي إلى أفغانستان وردت في مذكرة من الجنرال"ليونيد شيبارشين"الممثل الرئيسي للمخابرات السوفيتية في كابول والمذكرة"تشير إلى إتصالات سرية يقوم بها الجنرال"حفيظ الله أمين"مع"قيادات التمرد"الإسلامي نهايتها تمكين عملاء المخابرات الأمريكية من مقادير البلاد، وتظهر بعد ذلك في الوثائق السوفيتية رسائل من"بابراك كارميل"تشرح خطورة الأوضاع في كابول، ثم تتحدد الخطوط أكثر في مذكرة مشتركة قدمها إلى المكتب السياسي أربعة من أعضائه هم:"يوري أندربوف"المشرف على الأمن الداخلي، و"أندريه جروميكو"وزير الخارجية، و"ديمتري أوستينوف"نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع، و"بوريس بوناماريوف"مسئول الشئون العقائدية. وفي هذه المذكرة أبدى الساسة الأربعة"أن الموقف في كابول يقتضي دخول قوات من الجيش السوفيتي وإلا فإن أفغانستان سوف يجري تسليمها للولايات المتحدة الأمريكية وعملائها بكل ما يعنيه ذلك من انكشاف يعرض للخطر أمن الجمهوريات السوفيتية الجنوبية"الإسلامية".
وعندما عرضت المذكرة ـ وهي مكتوبة بخط اليد ـ على اجتماع المكتب السياسي يوم 25 ديسمبر 1979 ـ اعترض عليها خمسة من أعضائه وهم:"سوسلوف"ـ و"جريشين"ـ و"كيرلينكو"ـ و"بلش"ـ و"تيخونوف". وكان رئيس المكتب السياسي وهو الزعيم السوفيتي"ليونيد بريجنيف"موزعًا بين الفريقين، والداعي إلى حيرته أن ثلاثة من كبار القادة العسكريين الذين حضروا اجتماع المكتب السياسي اعترضوا هم ـ أيضًا ـ على إدخال الجيش السوفيتي أو وحدات منه إلى"ساحة الفوضى الأفغانية"، وكان الثلاثة هم: الماريشال"نيكولاي أوجاركوف"ـ والماريشال"سيرجي أخراموييف"من رئاسة أركان حرب الجيش ـ والجنرال"فالنتين فادينيكوف"وهو المستشار العسكري لرئيس المكتب السياسي"زعيم الاتحاد السوفيتي".