وعلى مائدة العشاء دار كلام لاحظ فيه"أناتولي دوبرينين"أن الدبلوماسية في الزمن الجديد تقتضي تشاورًا مسبقا بين الأطراف لا تتخفي فيه النوايا وراء العبارات المبهمة، لأننا في عصر لم يعد في مقدور طرف أن يخبئ فيه شيئًا، وأن"الشطارة"الزائدة في السرية كما كان في عهود سابقة لم يعد لهم لزوم؛ لأن تصرفات الأطراف في أي زمة تدل عليها الخيارات المفتوحة أمامهم وضمنها حسابات قوتهم. ثم إن"مناخ السرية قد يوقع الجميع وبينهم أصحابه في خطأ التقدير وكذلك تبدأ ردود أفعال تصعب السيطرة عليها وتؤدى لأوخم العواقب"، وأشار"دوبرينين"على سبيل التدليل إلى قرار دخول الجيش السوفيتي إلى أفغانستان، وكيف أن سرية التصرف ومفاجآته أوقعت الطرف الأمريكي في خطأ كبير عند تقدير النوايا السوفيتية، بمعنى أن السوفييت اعتبروا دخولهم إلى أفغانستان إجراء دفاعيًا محضا، لكن الأمريكان"قدروه"هجوميا وتصرفوا على هذا الأساس"."
وبعد أن غادرنا مائدة العشاء وجلسنا لتناول القهوة ومعها أحاديث السهرة، في ركن من الصالون الرئيسي لبيت السفارة، قلت لـ"برجينسكي"ولـ"دوبرينين"معا أن حكاية الدخول العسكري السوفيتي إلى أفغانستان والرد الأمريكي عليه واقعة مهمة في سياق الحرب الباردة تساوي التقصي والتدقيق، ولذلك أستاذنهم في العودة إليها.
والشاهد أنني لم أكن في حاجة إلى أكثر من سؤال واحد وجهته لدوبرينين، ورد عليه بقوله: بقوله:"صحيح ما زال اعتقادي أن أصدقاءنا الأمريكان أخطئوا في تقدير نوايانا: كان إجراؤنا دفاعيًا صرفا وكان ذلك ظاهرا أمامهم، لكنهم أخذوه هجوميا وعدوانيا وكذلك فعلوا ما فعلوا"! ثم كان أن"برجنيسكي"تدخل وأفاض في الحديث ولقرابة ربع الساعة راح يتكلم ونحن جميعًا نصغي دون مقاطعة"وحين حاول السفير الأمريكي"ماتلوك"أن يتدخل في الحديث وجدتني دون قصد أشير إليه بيدي راجيًا منه أن لا يقطع تدفق الرواية واستجاب الرجل".
قال"برجنيسكي"وبأسلوبه الذي تتدافع فيه العبارات وتتماسك الألفاظ وتجيء مخارج حروفها قائمة محددة موجها كلامه في البداية لدوبرينين:
"كيف كان يمكن لي ـ أو لغيري ـ فجر 27 ديسمبر تقدير نواياكم باعتبارها"عملا دفاعيًا"ـ بينما كانت الشواهد أمامنا تقول بعكس ذلك؟"
يستطرد برجنيسكي وقد عاودته حرفته القديمة أستاذًا للعلوم السياسية: