الحقيقة الشرعية
تطلق كلمة (( مصطلح ) )في أوساط الناس، ليراد بها المعنى الذي تعارفوا عليه، واتفقوا عليه في استعمالهم اللغوي الخاص، أو في أعرافهم الاجتماعية وعاداتهم السائدة، ولكن كثير من الظروف السياسية والاجتماعية والدينية ساعدت كثيرا من الكلمات أن تحمل معنى غير الذي وضع لها في أصل اللغة، ويسير هذا المعنى الجديد بين الناس حتى يصبح في استعمالهم اليومي شيئا مألوفا ينسى مع ذلك المعنى اللغوي الأساسي، هذا المعنى ما نقصد به المعنى الشرعي [1] .
وقد لاحظ المفسرون وعلماء اللغة ورود كلمات في القرآن الكريم تحمل معاني غير المعاني التي وردت في استعمالهم اللغوي، وأرادوا أن يميّزوا بين المعنى اللغوي والمعنى الإسلامي الشرعي، وأختلف الأصوليون في وقوع الحقيقة الشرعية، فمنعه القاضي أبو بكر وأشار إلى أن الشارع لم يستعمل الألفاظ إلاّ في الحقائق اللغوية، فالمراد الصلاة المأمور بها في النصوص هو الدعاء، ولكن أقام الشارع الكريم أدلّة أخرى على أن الدعاء لا يقبل إلاّ بشرائط مضمونة إليه [2]
أمّا ما ذهب إليه المعتزلة من إثبات الحقائق الشرعية، فقال: أبو الحسين البصرية: (( جاءت الشريعة بعبارات لم تكن معروفة في اللغة ... ولا فرق بين أن يصنع لتلك العبارات اسمًا مبتدأ وبين أن ينقل إليها من أسماء اللغة مستعملًا في معنى له شبه بالمعنى الشرعي ) ) [3] .
ذهب جمهور الأصوليين إلى إثبات الحقائق الشرعية؛ لأنّ الحقيقة الشرعية لم تسعمل في المعنى اللغوي ولم يقطع النظر عن حالة الاستعمال، بل استعملها الشارع الكريم في هذه المعاني لما بينها وبين المعاني اللغوية من العلاقة، فالألفاظ المستعملة في مصطلحات الشرع هي في الأصل مجازات لغوية اشتهرت فصارت حقائق شرعية [4]
ومن هذا المنطلق ظهر نوع جديد من الألفاظ التي تنتقل من مسمياتها وتبقى على جهة الحقيقة لا المجاز وهو ما اصطلح عليه بـ (( الحقيقة الشرعية ) )، فالحقيقة الشرعية: (( هي اللفظ الذي استفيد من الشرع وضعه للمعنى سواء أكان اللفظ. والمعنى مجهولين عند أهل اللغة، أم كانا معلومين، لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى إذا كان أحدهما مجهولًا والآخر معلومًا ) ) [5] أمّا البلاغيون والأصوليون، فقد عرّفوها بقولهم: (( هي اللفظة التي يستفاد من جهة الشرع وضعها
(1) ينظر: التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن:9
(2) ينظر: المزهر:1/ 298 واصول الأحكام وطرق الاستنباط في التشريع الإسلامي:316
(3) . المعتمد: 1/ 24، وينظر: أصول الأحكام: 316
(4) . ينظر: المزهر: 1/ 298، وأصول الحكام: 316، والبحث الدلالي عند الشوكاني: 51.
(5) . إرشاد الفحول: 1/ 95، وينظر: منهج البحث اللغوي بين التراث وعلم اللغة الحديث: 134.