فكل لفظ استعمل في غير المعنى الموضوع له لمناسبة بين المعنى المنقول عنه والمعنى المستعمل فيه مع قرينة تصرف عن إرادة المعنى الأصلي استعارة [1] . وقد عرض لها البقاعي بأمثلة منها ما جاء في قوله تعالى: { ... هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [2] ويصرح البقاعي قائلًا: (( ولمّا كان الاتجار إجهاد النفس في تحصيل الربح النافع، وكان الإيمان والجهاد وأعظم النفس في تحصيل الجنّة الباقية التي لا ربح يوازيها فاستعار لهما اسمها) [3] .
أي: أنعموا تنبيهًا على ما هو الأليق بهم، فاستأنف لهم بيان التجارة بأنّه الجمع بين الإيمان الذي هو أساس الأعمال كلها، والجهاد بنوعيه المكمل للغير، فالبقاعي بيّن استعارة اسم التجارة ليطلق على الإيمان والجهاد، بما كانت التجارة تحصيل للربح فإنّ الإيمان والجهاد وتحصيل للربح أيضًا وهو الجنّة التي لا ربح يوازيها، فالحاصل أنّ التجارة التصرف في رأس المال طلبًا للربح، فقد أخذ الإيمان والجهاد في الآية تجارة، رأس مالها النفس وربحها النجاة من عذاب اليم، وهذه التجارة جليلة القدر، عظيمة الشأن، وجعل الربح الحاصل منها النجاة من عذاب اليم. [4]
وأودّ أن أشير إلى أنّي لن أتعرض لهذهين الفنّين البلاغيين (( المجاز العقلي والاستعارة بشكل مستفيض، لأنّ عقيد العزاوي قد أطنب القول في هذا الأمر. [5]
المجاز المرسل
إنّ حقيقة المجاز المرسل جاءت على أساس عدم ارتباطه بعنصر المشابهة في ملابسته للمعنى بغير التشبيه، وتسميته جاءت لخلوه من القيود، فإذا كانت العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي هي المشابهة، فالمجاز يسمّى استعارة، وإذا كانت العلاقة هي غير المشابهة فهو مجاز مرسل. [6]
فالمجاز المرسل عند الخطيب القزويني: (( هو ما كانت العلاقة بين ما استعمل فيه وما وضع له ملابسه غير الشبيه ) ) [7] فالمجاز إذن هو ما كانت العلاقة بين ما استعمل فيه وما وضع
(1) . علوم البلاغة البيان والمعاني والبديع: 259.
(2) . الصفّ: 10.
(3) . نظم الدرر: 20/ 34.
(4) . ينظر: الميزان: 19/ 229.
(5) . ينظر للمزيد الأساليب البلاغية في نظم الدرر: 206 وما بعدها.
(6) . ينظر: مجاز القرآن وخصائصه الفنية: 316.
(7) . الإيضاح: 2/ 397، والتلخيص: 295، وينظر مجاز القرآن وخصائصه: 139.