يشير البقاعي: (( الذي انبت الزرع، وهو من إطلاق السبب على المسبب كالسماء على المطر والنبت، وقيل كان ذلك كرمًا، وقيل زرعًا ) ) [1] فالمعنى: كانت غنمًا لقوم وقعت في كرْم وقيل: زرعًا آخرين؛ فاحتكموا إلى داود فقضى لأهل الكرم بالغنم، وحكم سليمان بأن يدفع الغنم إلى أصحاب الكرْم، فيأخذوا منافعها من ألبانها وأصوافها إلى أن يعود الكرم كهيئته وقت أفسد. [2]
2ـ إطلاق المسبب على السبب
وهي علاقة عكس العلاقة السابقة، وهي كون المنقول عنه مسببًا، ومتأثرًا عن شيء آخر [3] . وقد أورد البقاعي مجموعة من الآيات التي تدلّ على هذه العلاقة ومنها قوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ ... } [4] يتبين لنا أن موقع المجاز المرسل في النص القرآني قوله تعالى: (تفيض من الدمع) أي ففاضت أعينهم من خشيته، وهنا أسند الفيض إلى الأعين، وإن كانت حقيقة في الدمع وأقام المسبب مقام السبب، لأنّ الفيض مسبب عن الامتلاء [5] وأشار البقاعي إلى أن (( البكاء سببٌ لامتلاء العين بالدمع، وكأن الامتلاء سببًا للفيض الذي حقيقته السيلان بعد الامتلاء، وعبر بالمسبب عن السبب فقال: (( تفيض من الدمع ) )أصله يفيض دمعها ثم تفيض هي دمعًا )) [6] ويفيض هنا إرادة الفيض، فالفيض انصباب عن امتلاء، ووضع هنا موضع الامتلاء بإقامة المسبب مقام السبب؛ لأنّ الأصل ترى أعينهم تمتلىء من الدمع حتى تفيض، والفيض على جوانب الإناء، أمّا من انتقال الدلالة فإنّه قد حوّل فيها الفعل إلى العين مجازًا [7] ، فالأصل فاض دمع عينه وهذا ما عبّر عنه الشاعر امرؤ القيس.
ففاضت دموع العين مني صبابة * * * على النحر حتى بل دمعي محملي
(1) . ينظم الدرر: 12/ 453.
(2) . ينظر: معاني القرآن للفراء: 2/ 119، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج: 3/ 324، والبحر المحيط: 6/ 307.
(3) . علوم البلاغة البيان والمعاني والبديع: 250.
(4) . المائدة: 83.
(5) . ينظر: البحر المحيط: 4/ 5.
(6) . نظم الدرر: 6/ 270.
(7) . ينظر: روح المعاني: 7/ 4 والجامع لأحكام القرآن: 6/ 147.