الصفحة 196 من 235

بيد أن دور السياق يظهر واضحًا في تحديد دلالة النهي، وتنوع المعاني التي تدلّ عليها صيغة (( لا تفعل ) )، فإن النهي المطلق حقيقة في التحريم، وهذا ما اتفق عليه معظم الأصوليين ـ والبقاعي من بينهم ـ والنهي حقيقة في التحريم؛ (( لأنّ القرآن الذي نزل بلغة العرب أحاط الانتهاء عمّا نصّ عنه بإطار من الإلزام؛ الشرعي إلى جانب الالزام اللغوي، فمن يفعل المنهي فهو مهدد بالعقوبة، وينسب إليه العصيان، والخروج عن طاعة الله ورسوله(ص) لأنّه يخالف ما طلب )) [1] .

وقد وردت صيغة (( لا تفعل ) )عند البقاعي تدلّ على التحريم في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ .... } [2] إذ يقول البقاعي: (( ولما أتمّ النهي عن هذين الأمرين المتحدين في وصف الفحش وفي السبب على تقدير، وفي إهلاك الولد بالقتل وما في معناه، أتبعها مطلق القتل الذي من أسبابه تحصيل المال، فصارت الأسباب المنهي عنها بتحريم مسبباتها منع الوجود بخلًا، فمن قتل نفسًا بغير حق فقد عصى الله ورسوله(ص ) ) [3] فالمعنى أنه يفيد تحريم قتل النفس، لأنّ صيغة لا تفعل وهي (( لا تقتلوا ) )مجردة من القرائن الصارفة لها، ولا يدلّ على غير التحريم.

وقد تخرج هذه الصيغة عن الأصل إلى معانٍ أخرى منها:

النهي للتأديب

من الأغراض التي تخرج إليها صيغة (( لا تفعل ) ): هو غرض التأديب، من ذلك ما جاء في قوله تعالى: {وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [4] إذ يقول البقاعي: (( ولما بدأ بأحد سببي القبول، اتبعه الثاني المبعد عن قاصة العمل من الإعجاب والرياء والملل فقال: (( ولا تمنن ) )أي على أحد بدعائك له أو بشيء تعطيه له على وجهة الهبة أو القرض بأن تقطع لذة من أحسنت إليه بالتشغيل على جهة الاستعلاء

(1) . أسباب اختلاف الفقهاء: 104.

(2) . الإسراء: 33.

(3) . نظم الدرر: 11/ 410.

(4) . المدثر: 6 - 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت