الجار، لكثرة إيقادهم منه، فعدّ إيقادهم من غيره كذلك ولعظمته عدمًا [1] .
5 -التقديم للإحاطة
وذكر البقاعي أنّ التقديم يأتي للإحاطة في قوله تعالى: { ... وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [2] لما ذكر سبحانه وتعالى نفس الخروج وما فيه من الفساد وذكر ثمرته الخبيثة، وهم عازمون على تحديد ذلك في كل وقت، فلما كانت هذه مقاصدهم كان نسجهم هلهلًا وبنيانهم واهيًا، فإنها من عمل الشيطان، وكل عمل لا يكون لله إذا صدم بما هو لله اضمحل، بذلك سبحانه وتعالى أجدى سنته ولن تجد لنسته تحويلا، فإن العاملين عبيد لله سبحانه وهو محيط بكل عمل سواء أكان ظاهرًا أم باطنًا، وتقديم الجار والمجرور، لشمول إحاطته بأعمالهم، فيقول: (( قدم الجار إشارة إلى أنه لشدة إحاطته بأعمالهم كأنه لا نظر له إلى غيرها فلا شاغل له عنها ) ) [3] .
6 -التقديم للأبلغ
ورد هذا النوع من التقديم في قوله تعالى: { ... إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [4] يقول البقاعي: (( والرأفة: شدة الرحمة فقدم الأبلغ ) ) [5] فالمعنى: أنه يرحمهم أعلى الرحمة بإسباغ جلائل النعم ودفع جلائل النقم، ويرحمهم أيضًا بإسباغ دقائق النعم ودفع دقائق النقم، وقد علل الشيخ الطوسي قائلًا: (( لأن الرّأفة أشد مبالغة من الرحمة؛ ليجري ـ على طريقة التقديم بما هو أعرف ـ مجرى أسماء الأعلام ثم إتباعه بما هو دون منه؛ ليكون مجموع ذلك تعريفًا أبلغ منه ) ) [6] أي أن اجتماع الرافة والرحمة أبلغ من انفراد كل منهما؛ لأن في كل منهما خصوصية في المعنى تحقق باجتماعها فائدة دلالية هي قوة
(1) . للمزيد ينظر نظم الدرر: 21/ 77.
(2) . الأنفال: 47.
(3) . نظم الدرر: 8/ 297 - 298.
(4) .التوبة: 117.
(5) .نظم الدرر: 9/ 38.
(6) . التبيان: 2/ 11، وينظر: البحث الدلالي في التبيان: 258.