الصفحة 91 من 235

الآخر، فكل حرف دلالة في التعبير في هذا المكان.

وقد أشار البقاعي إلى دلالة التعبير بهذا الحرف دون غيره مبينًا المعنى العام للنص، ومن المواضع التي أشار إليها هي:

1 -التعبير بمن دون عن:

وقد ورد هذا التعبير في قوله تعالى: { ... يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [1] ويعلّق البقاعي على قوله: (من العذاب) قائلًا: (( وعبّر بمن دون عن إعلامًا بأنّهم لم يفارقوا العذاب دنيا ولا آخرة، وأن لم يحسوا به في الدنيا ) ) [2] فكان التعبير بحرف الجر (( من ) )أكثر ثباتًا؛ لأن العذاب الذي أعدّه الله سبحانه وتعالى للكفار والمنافقين لهم في الدنيا والآخرة، ولو عبّر سبحانه وتعالى بـ (( عن ) )لكان العذاب غير مستمرٍ لهم، والدليل على ذلك قوله (( بمزحزحه ) )والزحزحة هي الإزالة عن المقر والنتيجة عنهم لقوله (ص) : (( من صام يومًا في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار سبعين خريفًا ) ) [3] أي ليس طول العمر من حيث هو موجبًا للخروج عن العذاب، بل المناط كله إنّما هو العمل الصالح واكتساب الحسنات وترك السيئات، وفي الآية الكريمة دلالة على أنّ الحرص على طول البقاء لطلب الدنيا ونحوه مذموم، وإنّما المحمود طلب البقاء للازدياد في الطاعة وتلافي الفائت بالتوبة والإنابة ودرك السعادة بالإخلاص في العبادة. [4]

2 -الباء دون على:

وأشار البقاعي إلى هذا التعبير في قوله تعالى: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ ... } [5] وممكن التعبير في قوله تعالى هو (( به ) )فيقول البقاعي: (( عبر بالباء سلوكًا لغاية الإنصاف دون (( على ) )المفهمة

(1) . البقرة: 96.

(2) . نظم الدرر: 2/ 64.

(3) . مواهب الرحمن: 1/ 335

(4) . ينظر: مجمع البيان: 1/ 166.

(5) . المؤمنون: 117.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت