الاتصال والتفاهم، فيستدعي الأمر حينئذِ وجود وسيلة لغوية تعمل على تقريب الثاني من الأول كي يتحقق القرب الذي يفتقر إليه وضوح القصد وليتم الكلام ويكتمل المعنى [1] .
ولعل أبرز الوسائل اللفظية التي تعين على الوصول فهم المعنى، وتقريب البعيد ما يأتي:
1 -التكرار: ويكون ذلك بإعادة اللفظ بعد أن يطول الفصل، إما تنشيطًا للذاكرة، نحو قوله تعالى: [المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ المُنَافِقِينَ هُمُ الفَاسِقُونَ*وَعَدَ اللهُ المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ وَالكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ] {التوبة:67 - 68} فهنا نلحظ التكرار في قوله تعالى (الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ) ، بعد طول المسافة من الآية السابقة إلى هذه الآية، ليقويَ التذكر؛ فبدلًا من أن يقول الله تعالى (وعدهم) ويحصل نسيان بعد طول المسافة بين الوعد والموعودين به أعاد - سبحانه - ذكر (المنافقين والمنافقات) [2] .
وقد يكون التكرار لا لتنشيط الذاكرة وإنما لأَمْنِ اللبس، كما في قوله تعالى: [وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] {المائدة:38} فلو أن ضميرًا وضع موضع ثاني لفظي الجلالة لاحتمل أن جملة (والله عزيز حكيم) حالية، ولكان المعنى من هذا الخطاب أنَّ كسبهما النكال مرتبط بحال عزة الله وحكمته فقط، تعالى الله عن هذا المعنى السقيم [3] .
ونظيره قوله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] {الأنفال/36} فلو قيل وهم إلى جهنم يحشرون؛ لكان المعنى إن كونهم مغلوبين ملابسًا لحشرهم إلى جهنم، وليس بيانًا لمصيرهم يوم القيامة [4] .
2 -الربط بالضمائر: قد يتعذر علاج طول المسافة بإعادة اللفظ، وحينئذ يستدعي الأمر اللجوء إلى غيره من طرائق الربط الأخرى، كالضمائر، ومن شواهده ما جاء في قوله تعالى: [إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَالقَانِتِينَ وَالقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالخَاشِعِينَ وَالخَاشِعَاتِ وَالمُتَصَدِّقِينَ وَالمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا] {الأحزاب:3} فلو تصور أحد من الناس، أن الله تعالى ذكر في هذا الخطاب بدلًا عن ضمير الغائبين في (لهم) كل الطوائف المذكورة سابقًا في خطابه،
(1) ينظر: البيان في روائع القرآن1/ 127.
(2) ينظر: نفسه1/ 129.
(3) ينظر: نفسه 1/ 131.
(4) ينظر: نفسه.