الصفحة 128 من 336

مدخل

من مظاهر حياة اللغة ميلها لليسر والسهولة، وتأثر ألفاظها ببعضها إذا تجاورت، ومن ذلك ما يسميه النحويون"الجر بالجوار".

فلقد صرَّح النحويون بكون المجاورة عاملا من العوامل النحوية، فهذا ابن هشام يذكره تحت طائفة المخفوضات [1] ، وهذا السيوطي يعده من أسباب الخفض فيقول:"أثبت الجمهور من البصريين والكوفيين الجر بالمجاورة للمجرور في نعت، وتوكيد. زاد بعضهم وعطف نسق" [2] .

وتأثير المجاوِر لم يقتصر في الدرس النحوي في الجر بالجوار بل تعداه إلى مسائل عدة تناثرت في كتب اللغويين، فعقدوا له بابًا جامعًا سموه (الجوار) ، وقعَّدوا لهذا الباب قواعد كلِّيَّة، منها ما ذكره ابن جني:"إذا جاور الشَّيءُ الشَّيءَ دخل في كثير من أحكامه لأجل تلك المجاورة" [3] . وما ذكره ابن هشام:"الشَّيءُ يعطى حكم الشَّيءِ إذا جاوره" [4] .

-تعريف المجاورة

المجاورة ظاهرة إعرابية تقتضي خروج الاسم المعرب عمَّا يجب له من حركة، أو تحريك موافقة لما يجاوره من الكلمات [5] .

وهذا هو معنى قول الرضي:"وقد يوصف المضاف إليه لفظا، والنعت للمضاف، إذا لم يلبس، ويقال له: الجر بالجوار، وذلك للاتصال الحاصل بين المضاف والمضاف إليه، فجعل ما هو نعت للأول معنىً، نعتًا للثاني لفظًا" [6] .

فيتبين -إذن- أنَّ الذي يعنيه النحويون بمصطلح المجاورة هو أنَّ عامل الجر ليس الإضافة أو الجر، وإنَّما مجاورة الاسم لما هو مجرور بالإضافة أو بالحروف.

(1) ينظر: شرح شذور الذهب 34.

(2) ينظر: همع الهوامع 4/ 304.

(3) المنصف: 2/ 2.

(4) مغني اللبيب: 2/ 788.

(5) ينظر: معجم المصطلحات النحوية والصرفية 58.

(6) شرح الكافية للرضي:2/ 352.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت