الأول: أنَّ الجزم بالخفض على الجوار لا يكون واجبًا وجزم الجواب واجب.
الثاني: أنَّ الخفض على الجوار لا يكون إلا بعد مخفوض خفضًا ظاهرًا لتحصل المشاكلة، وجزم الجواب يكون بعد جزم ظاهر وغير ظاهر.
الثالث: أنَّ الخفض على الجوار لا يكون إلا مع الاتصال، وجزم الجواب يكون مع الاتصال والانفصال، فعلم أنَّه ليس مجزوما بالجوار.
كما أنَّ قول الكوفيين: إنَّ الجواب مجزوم بالجوار قياسًا على الجر بالجوار قياسٌ مع الفارق؛ إذ إنَّ الكوفيين والبصريين متفقون على أنَّ المجرور بالمجاورة إنَّما جر لمجاورته لمجرور لا يكون له تابعا من جهة المعنى، وليس لتنازع عاملين في معمول واحد.
ومن جهة أخرى، فإنَّ هذه المسألة - أعني مسألة العامل في جواب الشرط- هي أقرب ما تكون إلى مسألة التنازع، فالحرف والشرط كلاهما يطلبان الجواب، فكان الأولى بالكوفيين أن يقولوا: إنَّ حرف الشرط هو الجازم للجواب، إذ هو العامل الأول قياسًا على إعمالهم الأول في تنازع العاملين، فهذا أخف من قياسهم المسألة على الجر بالمجاورة. ولعل هذا هو ما حمل أبو حيان - كما روى عنه السيوطي [1] - إلى أن يصف خلاف الكوفيين في هذه المسألة وقولهم فيها بالجوار بأنَّه خلاف لا يترتب عليه فائدة ولا حكم نطقي.
ومما يلحق بالتنازع في باب الجوازم تنازع حروف الجزم على فعل الشرط، وقد سبق أن أشرنا عند حديثنا عن الشروط اللازمة في العاملين المتنازعين إلى أنَّ أكثر النحويين يشترطون ألا يكون العاملان المتنازعان من نوع الحروف [2] ،وبعضهم أجاز وقوع التنازع في الحروف، ونسب هذا المذهب إلى أبي على الفارسي [3] ،واستدل بقوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا} [البقرة/24 و179] ، فقال: تنازع (إن) ، و (لم) في (لم تفعلوا) .
ويرى المعربون والنحويون أنَّ (تفعلوا) مجزوم بـ (لم) ،وليس بـ (إن) ؛لأنَّ (لم) عامل شديد الاتصال بمعموله، وهما- أي الجازم والمجزوم (لم تفعلوا) - في محل جزم بـ (إن) [4] .
(1) ينظر: همع الهوامع 4/ 331.
(2) ينظر: أوضح المسالك 2/ 192، وشرح التصريح 1/ 482، والأشباه والنظائر 3/ 181.
(3) ينظر: شرح التصريح 1/ 487، وروح المعاني 1/ 316، وحاشية الصبان 1/ 610.
(4) ينظر: التبيان1/ 39، وحاشية الخضري 1/ 367، وحاشية الصبان 1/ 610.