بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنَّ التقارب في العربية ظاهرة من ظواهرها المختلفة كالمضارعة والمجاورة والتآخي وغيرها من الظواهر المشعرة بمدى التلاحم والاتصال، والتجاور والالتصاق.
وقد وجد علماء اللغة أنَّ في لغتنا الجميلة وجوها متعددة من أوجه التداني بين أقسام الكلم وأساليب متنوعة للتقارب والتجاور، كأساليب حمل النظير على النظير، والشبيه على الشبيه، وما شابه ذلك مما أصله التقارب اللفظي أو المعنوي.
وقد أدرك النحويون أنَّ في اللغة العربية مجموعات لغوية بينها من صلات القربى ووشائج التداني ما يجعلها قريبة الشبه بالأنساب، ومضاهية للأسر المختلفة في طباعها وعاداتها، فلكل جماعة منها وصف معين ينضوي تحته أفراد هذه الأسرة، أو تلك الجماعة التي يجمعها جامع القرب والجوار.
كما أدرك النحويون أنَّ القرب في اللغة يُعدُّ مسلكًا من مسالك العلة، والقياس، والترجيح؛ يتجلى ذلك في توجيهاتهم وتأويلاتهم التي نصوا فيها على أنَّ القرب مُرجِح، وأنَّ الحمل على الأقرب أولى من الحمل على الأبعد، وأنَّ القرب يؤدي مهمة بالغة الأهمية في إحداث كثير من التغييرات اللغوية سواء أصرفيةً كانت، أم صوتية، أم نحوية أم دلالية، وليس أدل على ذلك من تأكيدهم أنَّ المجاورة توجب أحكاما كثيرة، فالنحويون كثيرًا ما يعطون الشيء حكم ما جاوره، اعترافًا منهم بفضل الجوار؛ إذ"الجارُ أحقُ بصَقَبِه" [1] .
وقد وجدت- بعد البحث والدراسة- أنَّ القرب باب نفيس في العربية، وهو على نفاسته واسع جدًا، وله أنماطه المتعددة وأساليبه المتلونة، الأمر الذي جعلني أعقد العزم متوكلا على الله لتتبع مظاهر القرب وصوره وبيان دلالاته ولملمة ما تفرق من مسائله.
(1) حديث شريف، رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي رافع45/ 161برقم27180،وورد بلفظ:"الجار أحق بسقبه"في سنن النسائي7/ 367برقم4717،باب البيوع، وسنن ابن ماجة2/ 834 برقم2496،باب الشفعة. والصقب: القرب