و هو باب توسعت فيه العرب توسعًا كبيرًا؛ فأقامت بعض الحروف مقام بعض إذا تقاربت المعاني، من ذلك (الباء) في تعاقبها مع (في) تقول:"فلان بمكة"و"في مكة"، وإنما جازا معًا؛ لأنَّك إذا قلت: فلان بموضع كذا وكذا، فقد خبرَّت عن اتصاله والتصاقه بذلك الموضع، وإذا قلت: في موضع كذا فقد خبرَّت بـ (في) عن احتوائه إياه وإحاطته به، فإذا تقارب الحرفان فإنَّ هذا التقارب يصلح للمعاقبة بينهما [1] .
ومنه التعاقب بين أداتي النفي (لا) ، و (ما) على الموضع الواحد وذلك كالفعل المضارع المنفي بجواب القسم نحو:"والله لا يقوم زيد"ويجوز أن تجعل (ما) مكان (لا) فتقول:"والله ما يقوم زيد غدًا"، كما يجوز أن تقول:"والله لا يقوم زيد الآن" [2] .
2 -التقارض بين المتقاربين: والاقتراض النحوي هو تبادل الأحكام بين كلمتين بحيث تعطي كل كلمة الحكم الذي يختص بها إلى الكلمة الأخرى [3] ، نحو إعطاء (غير) حكم (إلا) في الاستثناء والعكس، قال ابن هشام:"من ملح كلامهم تقارُضُ اللفظين في الأحكام، ومن أمثلته إعطاء (غير) حكم (إلا) في الاستثناء بها في قوله تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} [النساء/95] ، فيمن نصب (غير) ، وإعطاء (إلا) حكم (غير) في الوصف بها نحو قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء/22] " [4] .
3 -تفسير أحد المتقاربين بالآخر؛ إذ لا يفسر الشيء إلا بما هو من جنسه، ومن ذلك مجيء (لا) بمعنى (لم) نحو قوله تعالى: {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى} [القيامة/31] ،قال الرازي:"قال أهل العربية: (لا) ههنا في موضع (لم) فقوله: {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى} ،أي: لم يصدق ولم يصل، وهو كقوله: {فَلاَ اقتحم العقبة} [البلد/11] أي: لم يقتحم" [5] .
4 -بناء المصادر على بناء واحد إذا تقاربت المعاني:
(1) ينظر: الأصول في النحو (1/ 414) .
(2) ينظر: المصدر نفسه (3/ 82 - 88) .
(3) ينظر: شرح المفصل (2/ 88) .
(4) مغني اللبيب (2/ 804) .
(5) التفسير الكبير (15/ 234) .