من ذلك ما دلَّ على حرفة أو ولاية فقياسه (الفِعَالة) كالحِيَاكة والخِيَاطة والتِجَارة والخِلافة والإمارة .. إلخ [1] ، وما دلَّ على داء أو صوت فقياسه على (فُعَال) :كسُعَال وزُكَام وصُرَاخ ورُغَاء وصُدَاع .. إلخ [2] ، ويصاغ ما دلَّ على الامتناع والإباء على وزن (فِعَال) نحو: الفِرَار والشَِِّرَاد والنَّفَار [3] ، ويصاغ (فَعَلان) للدلالة على التقلب والاضطراب كالجَوَلان والغَلَيان والغَثَيان [4] .
5 -تقارب المعاني سبيل لتقارب الألفاظ والتراكيب:
ولعل هذا ما عناه ابن جني عندما أخذ يتحدث عن (تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني) :"واستعملوا تركيب (ج ب ل) ، و (ج ب ن) ، و (ج ب ر) لتقاربها في موضع واحد، وهو الالتئام والتماسك .... وقد تقع المضارعة في الأصل الواحد بالحرفين؛ نحو قولهم: السَحِيل والصهِيل ... وذاك من (س ح ل) وهذا من (ص هـ ل) والصاد أخت السين كما أن الهاء أخت الحاء. ونحو منه قولهم (سحل) في الصوت و (زحر) والسين أخت الزاي؛ كما أن اللام أخت الراء .... وقالوا (جَلف وجَرَم) فهذا للقَشْر وهذا للقَطْع، وهما متقاربان معنى، ومتقاربان لفظًا؛ لأنَّ ذاك من (ج ل ف) وهذا من (ج ر م) .." [5] .
هذا ما كان من شأن مسائل القرب في اللغة العربية، وأنواع التقارب اللغوي وأنماطه المختلفة، وقد قصدت أن يكون هذا التمهيد بمثابة تأصيل لظاهرة القرب، ولقد تعمدت في هذا المدخل أن أُكْثِرَ من إيراد الأقوال والنصوص التي صرَّحت بالقرب أو مرادفاته؛ لأثبت ما قد يتوهم إنكاره من بعض الباحثين والدارسين لهذه الظاهرة.
ولقد تبين لنا المسائل المذكورة في هذا المدخل أنَّ القرب في اللغة العربية ينحصر في نوعين قرب زماني ومكاني، وقرب بين عناصر التركيب في الجملة العربية، وعلى هذين النوعين بُنِيَتْ فصول ومباحث هذه الدراسة.
(1) ينظر: الكتاب (4/ 11 - 12) ، والأصول في النحو (3/ 89) ،والفروق اللغوية (106) .
(2) ينظر: أوضح المسالك (3/ 537) ، وشرح الأشموني (3/ 361) .
(3) ينظر: الكتاب (4/ 14) ، والأصول في النحو (3/ 89) .
(4) ينظر: الكتاب (4/ 14) ، ولسان العرب (1/ 101) ، مادة (شنأ) .
(5) الخصائص (2/ 149) .