فهرس الكتاب
ويمكن أن نَعُدَّ ما قاله سيبويه دليلًا على أنَّ (أي) الأصح فيها أن تستعمل لنداء القريب؛ لخلوها من المد الذي يحتاج إليه البعيد ليسمع النداء، ونفهم هذا من قوله:"يستعملونها إذا أرادوا أن يمدوا أصواتهم للشيء المتراخي عنهم"، فإذا أردنا أن نستعمل هذا الحرف لنداء البعيد مددنا صوت الهمزة ليُعطي المنادى فسحة من الزمن ليعي النداء ويسمعه.
وكون (أي) لنداء القريب هو مذهب أكثر النحويين، كالزمخشري [1] ، وابن يعيش [2] ، وابن الحاجب، والمرادي [3] ، وهو المذهب الذي يميل إليه الباحث، ويجوز مدها إذا بعدت المسافة، فيكون المد فيها دليلًا على البعد [4] .
القسم الثاني: ما ينادى به البعيد:
وله بقية أحرف النداء وهي: (يا) ،و (أيا) ، و (هيا) ، و (آ) بالمد، و (آي) بالمد.
ونؤكد هنا مرة أخرى أنَّ علة اختصاص هذه الحروف بنداء البعيد هو ما فيها من امتداد الصوت وارتفاعه؛ لأنَّ البعيد يحتاج في ندائه إلى مد الصوت ليسمع [5] .
قال ابن يعيش:"وأي والهمزة تستعملان إذا كان صاحبك قريبا، وإنَّما كان ذلك من قِبَل أنَّ البعيد والمتراخي، والنائم، والمستثقل، والساهي يُفتَقر في دعائهم إلى رفع صوت ومده، وهذه الأحرف الثلاثة التي هي: (يا) ، و (أيا) ، و (هيا) أواخرهن ألفات والألف ملازمة للمد، فاستعملت في دعائهم؛ لإمكان امتداد الصوت ورفعه، وليست الياء هنا في (أي) كذلك؛ لأنَّها ليست مدة، والهمزة ليست من حروف المد فاستعملت للقريب" [6] .
وفي هذا النص دلالة واضحة على أنَّ العرب اعتمدوا (المسافة) معيارًا مهمًا، وأصلا من الأصول التي تنضوي تحتها قواعد البناء النحوي للغة، ومقياسًا لا يمكن إغفاله في تركيب الكلام.
(1) ينظر: المفصل (309) .
(2) ينظر: شرح المفصل (8/ 118) .
(3) ينظر: الجنى الداني (233) .
(4) ينظر: رصف المباني (213) ، والجنى الداني (233) .
(5) ينظر: الكتاب (2/ 230) ، والأصول في النحو (1/ 329) .
(6) شرح المفصل (8/ 118) .