فهرس الكتاب
ثانيًا /تنزيل البعيد منزلة القريب
لم يتعرض كثير من النحويين لهذا المنحى العدولي، حيث يكتفون بالنص على جواز تنزيل القريب منزلة البعيد، وتقدم نص سيبويه وفيه:"وقد يستعملون هذه التي للمد في موضع الألف ولا يستعملون الألف في هذه المواضع التي يمدون فيها" [1] .
بل نقل الأشموني الإجماع على منع هذه الصورة من صور التناوب:"وأجمعوا على أنَّ نداء القريب بما للبعيد يجوز توكيدًا وعلى منع العكس" [2] .
ولعل منعهم من تنزيل البعيد منزلة القريب يرجع لأسباب أبرزها:
1 -قلة حروف النداء التي ينادى بها القريب.
2 -عدم وروده في كتاب الله عز وجل؛ حيث لم يرد من أدوات النداء في القرآن سوى حرف النداء الـ (يا) .
حذف حرف النداء للمبالغة في التقريب:
يجوز حذف حرف النداء، ومن مسوغات هذا الحذف إرادة التقريب، قال سيبويه:"وإن شئت حذفتهن كلهن استغناء كقولك حار بن كعب، وذلك أنه جعلهم بمنزلة من هو مقبل عليه بحضرته يخاطبه" [3] .
ومما حذف منه حرف النداء للمبالغة في التقريب قوله تعالى {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} [يوسف/29] ، قال الزمخشري:" {يُوسُفَ} حذف منه حرف النداء؛ لأنَّه منادى قريب مفاطن للحديث، وفيه تقريب له وتلطيف لمحله" [4] ، ومنه قوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ/13] .
وقد ذكر الدكتور فاضل السامرائي أنَّ لهذا الحذف أغراضًا منها: العجلة والإسراع، والإيجاز والاختصار، والزيادة في التنبيه والتقريع، وساق لتلك الأغراض شواهد عدة، ثم ذكر أنَّ من أغراض الحذف (قرب المنادى من المنادي) "سواء أكان القرب حقيقيا ماديا، أم معنويا فكأن المنادى لقربه لا يحتاج إلى واسطة لندائه، ولو كان حرف نداء، كأن تقول لمن تناديه وهو قريب منك:"خالد أتدري ماذا حل بفلان؟"، ونحو قوله تعالى: {رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} [هود/37] ، وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب /33] ، وقوله"
(1) الكتاب (2/ 230) .
(2) شرح الأشموني (3/ 17) .
(3) الكتاب (2/ 230) .
(4) الكشاف (2/ 435) ، وينظر: تفسير أبي السعود (4/ 270) ، وروح المعاني (7/ 331) .