الصفحة 236 من 336

فـ (الفاء) توجب أن يكون الثاني بعد الأول، وأنَّ الأمر بينهما قريبٌ، نحو قولك: رأيتُ زيدًا فعمرًا، ودخلت مكةَ فالمدينةَ، وجاءني زيدٌ فعمروٌ، مررت بعمرٍ فزيدٍ فخالدٍ، فهي تجيء لتقدم الأول واتصال الثاني فيه [1] .

3 - (ثُمَّ)

وهي مثل الفاء، إلا أنَّها أشد تراخيًا، فهي تفيد أنَّ بين الثاني والأول مهلة [2] ، فلذلك لا تقع موقع الفاء في الجواب؛ لأنَّ الجزاء لا يتراخى عن الشرط، فعلى هذا تقول: بعث الله آدم ثُمَّ محمدًا -صلى الله عليهما وسلم- ولا تقول مثل ذلك في الفاء؛ لأنَّه لما تراخى لفظها بكثرة حروفها تراخى معناها؛ لأنَّ قوة اللفظ مؤذنة بقوة المعنى [3] .

ومن اللمسات القرآنية في استعمال هذين الحرفين قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ} [الكهف/74] ،قال الزمخشري:"فإن قلتَ: لِمَ قيل: {حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا} [الكهف/71] بغير فاء، و {حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ} [الكهف/74] ، قلتُ: جعل خرقها جزاء للشرط، وجعل قتله من جملة الشرط معطوفًا عليه، والجزاء:"قَالَ أَقَتَلْتَ"، فإن قلتَ: فلم خولف بينهما؟ قلتُ: لأنَّ خرق السفينة لم يتعقب الركوب، وقد تعقّب القتل لقاء الغلام" [4] .

وفي قوله تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين/5] ، جاء بـ (ثم) التي تفيد الترتيب والتراخي؛ لأنَّ كون الإنسان أسفل سافلين لا يعاقب خلقه، بل يتراخى عنه في الزمن، فهي من حيث الوقت تفيد التراخي، كما أنها من حيث الرتبة تفيد التراخي، فرتبة كونه في أحسن تقويم تتراخى وتبعد عن رتبة كونه في أسفل سافلين، فأفادت (ثم) ههنا التراخي الزمني والتراخي في الرتبة [5] .

(1) ينظر: الكتاب (4/ 217) ، والمقتضب (1/ 10) ، والأصول في النحو (2/ 55) ، واللمع في العربية (149) .

(2) ينظر: الكتاب (1/ 438) ، والمقتضب (1/ 10) ، والأصول في النحو (2/ 55) ، واللمع في العربية (150) ، ونتائج الفكر (124) ، وشرح التسهيل (3/ 352) ، والجنى الداني (426) .

(3) ينظر: شرح المفصل (8/ 96) .

(4) الكشاف (2/ 687) .

(5) ينظر: لمسات بيانية (212) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت