الصفحة 243 من 336

ويكفي لتأكيد شيوع هذه الظاهرة هذا النص لأبي البقاء العكبري:"والجِوَارُ مشهور عندهم في الإعراب، وقلب الحُرُوفِ بعضها، والتأنيث .. ومما راعت العرب فيه الجوار قولهم: قامت هند، فلم يجيزوا حذف التاء إذا لم يفصل بينهما، فإن فصلوا بينهما أجازوا حذفها، ولا فرق بينهما إلا المجاورة وعدم المجاورة، ومن ذلك قولهم:"قام زيد وعمرًا كلمته"استحسنوا النصب بفعل محذوف لمجاورة الجملة اسما قد عمل فيه الفعل، ومن ذلك قلبهم الواو المجاورة للطرف همزة في قولهم: أوائل، كما لو وقعت طرفا، وكذلك إذا بعدت عن الطرف لا تقلب، نحو طواويس، وهذا موضع يحتمل أن يكتب فيه أوراق من الشواهد، وقد جعل النحويون له بابا، ورتبوا عليه مسائل، ثم أصَّلوه بقولهم: هَذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ" [1] .

الجر بالجوار

نقل عن العرب قولهم:"هَذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ" [2] ،حيث جُرَّت كلمة"خرب"- وحقها الرفع على الأصل والقياس- لأنَّها نعت لـ (الجحر) لا لـ (الضب) ، وأما الجر فقد جعله الأكثرون [3] صفةً للجحر، لكنَّه جُرَّ للمجاورة، وهذا ما يسمى بالجر أو الخفض على الجوار.

وقد عرَّف أبو حيان الجر بالجوار بقوله:"الخفض على الجوار: هو أن يكون الشيء تابعًا لما قبله في رفع، أو نصب من حيث اللفظ والمعنى، فيعدل به عن ذلك الإعراب إلى إعراب الخفض؛ لمجاورته لمخفوض لا يكون له تابعًا من حيث المعنى" [4] .

مذاهب العلماء في الجر بالجوار

اختلفت مذاهب النحويين في هذه المسألة اختلافا كبيرًا، ويمكن حصر مذاهبهم في الآتي:

المذهب الأول: جواز الجر بالجوار مطلقًا؛ أي: في النعت والتوكيد والعطف، وممن ذهب هذا المذهب: الفراء [5] ،وأبو عبيدة [6] ،والأخفش [7] ،وابن زنجلة، وابن مالك [8] ،وأبو البقاء العكبري [9] ، وذكر

(1) التبيان في إعراب القرآن (1/ 318 - 319) .

(2) ينظر: الكتاب (1/ 67 و436) ، ومعاني القرآن للفراء (2/ 74) ، والمقتضب (4/ 73) ، والخصائص (1/ 191) ، والإنصاف (2/ 607) ، وشرح التسهيل (3/ 308) ، وارتشاف الضرب (4/ 1912) ، وتذكرة النحاة (346) .

(3) ينظر: ارتشاف الضرب (4/ 1912) .

(4) البحر المحيط (2/ 383) .

(5) ينظر: معاني القرآن للفراء (2/ 74 - 75) .

(6) ينظر: مجاز القرآن (1/ 72 و155 و 213) .

(7) ينظر: معاني القرآن للأخفش (2/ 474 و466) .

(8) ينظر: شرح التسهيل (3/ 308) .

(9) ينظر: التبيان في إعراب القرآن (1/ 318 - 319) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت