الصفحة 274 من 336

الأول منهما مراعاةً للمعنى؛ لأنَّه لو أعمل الثاني لكان الكلام متناقضًا، وذلك من وجهين، أحدهما: أنَّه لو أعمل الثاني لكان التقدير فيه: كفاني قليلٌ ولم أطلب قليلًا من المال، وهذا متناقض؛ لأنه يخبرنا تارةً بأن سعيه ليس لأدنى معيشة، وتارةً يخبرنا بأنه يطلب القليل، وذلك متناقض، والثاني أنه قال في البيت الذي بعده [1] :

وَلَكِنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ ... وَقَدْ يُدْرِكُ المَجْدَ المُؤَثَّلَ أَمْثَالِيْ

3 -أنَّ العامل الثاني هو الأقرب إلى محل التأثير، وهو أقرب الطالبين إلى المطلوب، فالأولى أن يستبد به دون الأبعد، ولا يكون الأبعد أقوى حالًا من الأقرب.

4 -بعد تتبعي في القرآن الكريم تبين لي أنَّ باب التنازع باب أصيل، وأنَّ مذهب البصريين أسهل وأحسن وموافق تمامًا للقرآن الكريم، حيث إنَّ الأمثلة الواردة فيه تؤيد المذهب البصري في إعمال العامل الثاني في المعمول المتنازع فيه، وأما مذهب الكوفيين فلا يتوافق مع القرآن الكريم البتة، وإنْ كان قد يوافق بعض الشواهد الشعرية، ولكنها- لقلتها- لا تصل إلى درجة القياس، وأكثرها واردة لبيان جواز إعمال الأول وليس للأولية على إعماله، والجواز لا خلاف فيه بين الفريقين.

ولقد وجدت الشيخ المحقق محمد محي الدين عبد الحميد يؤكد على هذا الذي ذكرناه آنفا - في حاشيته على (أوضح المسالك) :"لقد تأملنا فيما حملوه من التنازع من آيات القرآن الكريم فوجدناها جارية على إعمال الأقرب إلى المعمول، كذلك ما ذكروه من الحديث النبوي، ولا شك أنَّ إتباع أسلوب القرآن الكريم الذي هو أفصح كلام وأرقى أسلوب أولى وأحرى" [2] .

وسوف نورد طائفة من الآيات التي أعمل فيها الأقرب في مبحث مستقل يجيء قريبًا.

5 -وجدت أنَّ العرب تراعي جانب القرب وتهتم به كثيرًا، وقد وردت في كتب النحاة نصوص كثيرة تدل على مراعاتهم للقرب والجوار، ومن تلك النصوص ما يأتي:

قال العكبري:"وأما القياس فهو أنَّ الثاني أقرب إلى الاسم وإعماله فيه لا يغير معنى فكان أولى كقولهم خشنت بصدره وصدر زيد بجر المعطوف، وكذا قولهم: مررت ومر بي زيد أكثر من قولهم: مر بي ومررت بزيد .... وكذلك أيضا إذا جاوز الفعل الفاعل المؤنث الحقيقي لزمت فيه التاء، وإن فصل بينهما لم يلزم كل ذلك اهتمام بالأقرب" [3] .

وقال أبو حيان:"وأيضا فقد حملهم مراعاة القرب على أن فصلوا بين العامل الزائد على العامل الذي ليس بزائد في قولهم: خشنت بصدره وصدر زيد، فجروا"صدرا"ونصبوه لكن الجر فيه أكثر"

(1) ينظر ديوانه (68) .

(2) عدة السالك إلى أوضح المسالك (2/ 198) ، حاشية رقم (1) .

(3) اللباب في علل البناء والإعراب (1/ 154، 155) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت