فهرس الكتاب
الشرط يعمل في جواب الشرط عند وجود فعل الشرط لا به كما أنَّ النار تسخن الماء بواسطة القدر والحطب، فالتسخين إنَّما حصل عند وجودهما لا بهما؛ لأنَّ التسخين إنما حصل بالنار وحدها، فكذلك هاهنا، (إنْ) هو العامل في جواب الشرط عند وجود فعل الشرط لا أنَّه عامل معه" [1] ."
أما القول بالجوار فقد ضعفه أكثر المحققين منهم أبو البركات الأنباري [2] ، وأبو البقاء العكبري [3] ، وأبو حيان [4] ، والرضي [5] ، والأزهري [6] ، والسيوطي [7] .
وردَّه ابن مالك من ثلاثة أوجه [8] :
الأول: أنَّ الجزم بالخفض على الجوار لا يكون واجبًا وجزم الجواب واجب.
الثاني: أنَّ الخفض على الجوار لا يكون إلا بعد مخفوض خفضًا ظاهرًا لتحصل المشاكلة، وجزم الجواب يكون بعد جزم ظاهر وغير ظاهر.
الثالث: أنَّ الخفض على الجوار لا يكون إلا مع الاتصال، وجزم الجواب يكون مع الاتصال والانفصال، فعلم أنَّه ليس مجزوما بالجوار.
كما أنَّ قول الكوفيين: إنَّ الجواب مجزوم بالجوار قياسًا بالجر بالجوار قياسًا مع الفارق؛ إذ أنَّ الكوفيين والبصريين متفقون على أنَّ المجرور بالمجاورة إنَّما جر لمجاورته لمجرور لا يكون له تابعا من جهة المعنى، وليس لتنازع عاملين في المجرور.
ومن جهة أخرى، فإنَّ هذه المسألة - أعني مسألة العامل في جواب الشرط- هي أقرب ما تكون إلى مسألة التنازع، فالحرف والشرط كلاهما يطلبان الجواب، فكان الأولى بالكوفيين أن يقولوا: إنَّ حرف الشرط هو الجازم للجواب، إذ هو العامل الأول قياسًا على إعمالهم الأول في تنازع العاملين، فهذا أخف من قياسهم المسألة على الجر بالمجاورة. ولعل هذا هو ما حمل أبو حيان - كما روى عنه السيوطي [9] - إلى أن يصف خلاف الكوفيين في هذه المسألة وقولهم فيها بالجوار بأنَّه خلاف لا يترتب عليه فائدة ولا حكم نطقي.
ومما يلحق بالتنازع في باب الجوازم تنازع حروف الجزم على فعل الشرط، وقد سبق أن أشرنا عند حديثنا عن الشروط اللازمة في العاملين المتنازعين إلى أنَّ أكثر النحويين يشترطون ألا يكون العاملان المتنازعان من نوع الحروف [10] ،وبعضهم أجاز وقوع التنازع في الحروف، ونسب هذا المذهب
(1) ينظر: الإنصاف (2/ 608) ، وأسرار العربية (297) .
(2) ينظر: الإنصاف (2/ 609 - 615) ، وأسرار العربية (296) .
(3) ينظر: اللباب في علل البناء والإعراب (2/ 52) .
(4) ينظر: ارتشاف الضرب (4/ 1877) .
(5) ينظر: شرح التصريح (2/ 400) .
(6) ينظر: شرح الكافية للرضي (4/ 97) .
(7) ينظر: همع الهوامع (4/ 331) .
(8) ينظر: شرح التسهيل (4/ 79 - 80) .
(9) ينظر: همع الهوامع (4/ 331) .
(10) ينظر: أوضح المسالك (2/ 192) ، وشرح التصريح (1/ 482) ، والأشباه والنظائر (3/ 181) .