فهرس الكتاب
الثالث: التفصيل، وإليه ذهب ابن فارس، فالعمدة في ذلك عنده الدليل، فإن جاز رجعه عَلَى جميع الكلام كَانَ عَلَى جميعه كقوله جلّ ثناؤه: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة/33] ثُمَّ قال {إِلا الَّذِينَ تَابُوا} [المائدة/34] والاستثناء جائز فِي ذلك كله، والذي يمنع منه الدليل قوله جلّ ثناؤه: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور/4] فالاستثناء هاهنا عَلَى مَا كَانَ من حق الله جلّ ثناؤه دون الجلد [1] .
والذي يظهر أنَّ الخلاف الدائر في هذه المسألة - سواء عند الأصوليين أم النحويين- مرده إلى مذهبين هما: العود إلى الجملة الأخيرة، أو العود إلى جميع الجمل المتقدمة. وسبب الخلاف - كما ذكر القرطبي - يعود إلى أمرين [2] : أحدهما: هل هذه الجمل في حكم الجملة الواحدة للعطف الذي فيها، أو لكل جملة حكم نفسها في الاستقلال وحرف العطف محسن لا مشرك، وهو الصحيح في عطف الجمل، لجواز عطف الجمل المختلفة بعضها على بعض، على ما يعرف من النحو. الثاني: يشبه الاستثناء بالشرط في عوده إلى الجمل المتقدمة، فإنَّه يعود إلى جميعها عند الأكثرين.
ويرى الباحث أنَّ هذه المسألة تشبه إلى حد كبير مسألة عودة الضمير، إذ لا يمكن التسليم بأن الاستثناء يعود إلى أقرب مذكور مطلقا كما هو مذهب جماعة من النحاة والأصوليين، أو القطع بأنَّه يعود إلى جميع ما سبق كما هو مذهب آخرين. والرأي الذي يرتضيه الباحث أنَّ الأمر في تعيين عود الاستثناء يرجع إلى القرينة والدليل، إذ قد يدل الدليل أنَّ الاستثناء يعود إلى أقرب مذكور أو أبعد مذكور أو لجميع ما ذكر في كلام سابق [3] .
وبعد رجوعي إلى كتب التفسير والإعراب عند الآيات التي يستدل بها على هذه المسألة وجدت ما يلي:
1 -من الآيات ما عاد فيها الاستثناء إلى جميع الجمل كقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة/3] قوله: (إلا ما ذكيتم) عائد إلى جميع المذكورات عند أكثر المفسرين والمعربين [4] .
(1) ينظر: الصاحبي في فقه اللغة (141) .
(2) تفسير القرطبي (12/ 160) .
(3) ينظر: أضواء البيان (5/ 315) .
(4) ينظر: جامع البيان (8/ 90) ، والمحرر الوجيز (2/ 151) ، وأحكام القرآن للجصاص (3/ 299) ،وأحكام القرآن لابن العربي (2/ 21 - 25) ، والتفسير الكبير (12/ 162/163) ، والتبيان في إعراب القرآن (1/ 315) .