قال شيخ الإسلام ص 80 ج 28: كما أن الجهاد فرض على الكفاية إلا أن يتعين فيكون فرضًا على الأعيان؛ مثل أن يقصد العدو بلدًا، أو مثل أن يستنفر الإمام أحدًا. وطلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين مثل طلب كل واحد علم ما أمره الله تعالى به وما نهاه عنه، فإن هذا فرض على الأعيان، كما أخرجاه في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"فمن لم يفقه في الدين لم يرد الله به خيرًا، والدين ما يعث الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو ما يجب على المرء التصديق به والعمل به، وعلى كل أحد أن يصدق محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به ويطيعه فيما أمر به تصديقًا عامًا وطاعة عامة، ثم إذا ثبت عنه خبر كان عليه أن يصدق به مفصلا، وإذا كان مأمورًا من جهة بأمر معين، كان عليه أن يطيعه طاعة مفصلة"."
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله (ج 4 الشرح الممتع) : الصحيح أنه يختلف باختلاف الفاعل وباختلاف الزمن، فقد نقول لشخص الأفضل في حقك الجهاد، ولآخر الأفضل في حقك العلم، فإذا كان شجاعًا قويًا نشيطًا، وليس بذاك الذكي، فالأفضل له الجهاد، لأنه أليق به، وإذا كان ذكيًا حافظًا قوي الحجة فالأفضل له العلم، وهذا باعتبار الفاعل، وأما باعتبار الزمن فإننا إذا كنا في زمن تفشى فيه الجهل والبدع، وكثر من يفتي بلا علم فالعلم أفضل من الجهاد، وإن كنا في زمن كثر فيه العلماء واحتاجت الثغور إلى مرابطين يدافعون عن البلاد الإسلامية فهنا الأفضل الجهاد، فإن لم يكن مرجح لا لهذا ولا لهذا فالأفضل العلم.
قلت: هذا والله أعلم إذا لم يكن الجهاد جهاد دفع، فجهاد الدفع واجب على العالم وغيره.
قال الإمام أحمد رحمه الله: العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته، قالوا كيف تصح النية؟ قال: ينوي أن يتواضع، ويرفع الجهل عن غيره، وهذا صحيح لأن مبنى الشرع كله على العلم، حتى الجهاد مبناه على العلم، ويدل لهذا قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة 122]
فنفى الله تعالى أن ينفر المسلمون كلهم إلى الجهاد، ولكن ينفر طائفة، ويبقى طائفة لتتعلم، حتى إذا رجع قومهم إليهم أخبروهم بما عندهم من الشرع، ولكن يجب في الجهاد وفي العلم تصحيح النية وإخلاصها لله عز وجل، وهو شرط شديد - أعني إخلاص النية - كما قال الإمام أحمد - غفر الله لنا وله وللمؤمنين والمؤمنات -: شرط النية شديد لكنه حبّب إليّ فجمعته، ولكن لا شك أنها صالحه بدليل أنه صار إمامًا للمسلمين. أ. هـ الشرح الممتع [7 - 8] .
وقال شيخ الإسلام في الاختيارات (ص 63) : وقال أبو العباس في رده على الرافضي، بعد أن ذكر تفضيل أحمد للجهاد، والشافعي للصلاة، وأبي حنيفة ومالك للعلم، والتحقيق أنه لا بد لكل من الآخرين، وقد يكون كل واحد أفضل في حال، كفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه بحسب المصلحة والحاجة، ويوافق هذا قول إبراهيم بن جعفر لأحمد: الرجل يبلغني عنه صلاح، فأذهب فأصلي خلفه، قال لي