[متن الكتاب] .
مطلب في الضيافة وآدابها:.
مطلب في الضيافة وآدابها:
تعجيل الطعام من إكرام الضيف، فإذا حضروا، وتأخر واحد، أو اثنان، عن الوقت الموعود، فإكرام الحاضرين أولى، إلا أن يكون المتأخر فقيرًا، أو ينكسر قلبه بذلك، فلا بأس بالتأخير، يقال: ثلاث تورث السّل: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، وطعامُُ يُنْتَظر عليه مَنْ يجيء.
ومن الأدب: أن لا يأخذ الضيفُ أحسن المواضع، ولا يتصدَر، بل يتواضع، ولا يطيلُ الانتظار عليهم (بتأخره) ، ولا يعجلُ بحيث يفاجئهم، قبل تمام الاستعداد، ولا يضيقُ المكان على الحاضرين، بالزحمة، بل إنْ أشار إليه صاحب الدار بموضعٍ، لا يخالفه البتة، وإن أشار إليه بعضُ الضيفان بالارتفاع إكرامًا، فليتواضع إلى الدون من المجلس.
ولا يخرج الضيف إلاّ برضى صاحب المنزل، وإذنه، ويراعي قلبه في هذه الإقامة، ولا يستأنس للحديث، إلا أنْ يُجلسَه ربُّ البيت. ويأكل الضيف بمثل ما يأكل في بيته، فإنّه الإنصاف، أو فوق ما يأكل في بيته، فإنّه تفضّل، فإنْ نقص فذلك نفاق. وليس للضيف أن يسأل صاحب الطعام: أمِن حلٍّ، أم حرام؟ ولا يبتدئ الطعامَ، ومعه مَنْ يستحق التقديم، بكبر سنٍ، أو زيادةِ فضل، إلا أن يكون هو المتبوعَ، والمقتدى به، فحينئذ ينبغي أن لا يطيل عليهم الانتظار إذا اشرأبوا للأكل واجتمعوا له (1) . ولا ينبغي للضيف أن يشتهي على صاحب البيت إلا الماءَ، والملح، ولا يَعيبُ طعامه، فما وجد أكل، وحمِد، ولا ينظر إلى أصحابه، ولا يراقب أكلهم، فيستحوا، بل يغضُّ بصره عنهم، ويشتغل بنفسه، ولا يُمسك قبل إخوانه، إذا كانوا يحتشمون الأكل بعده، بل يَمدّ اليد، ويقبضها، ويتناول قليلًا قليلًا، إلى أن يستوفوا، فإن امتنع لسببٍ، فليعتذر إليهم، دفعًا للخَجْلة عنهم، ولا ينبغي أن يَجلس في مقابلة باب الحجرة التي للنساء، ولا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام، فإنه دليل على الشَره. ولا ينبغي أن يدعَ شيئًا مما يشتهيه، لأجل نظر الغير إليه، فإن ذلك تَصَنّع، بل يجري على المعتاد، ولا ينقص من عادته شيئًا، ولكن يعوّد نفسه حسنَ الأدب في الوحدة، حتى لا يحتاجَ إلى التصنع عند الاجتماع. ولا يفعل ما يستقذره غيره، فلا ينفض يده في القصعة، ولا يقدّم إليها رأسه عند وضع اللقمة في فِيْه، وإذا أخرج شيئًا من فِيْه، صرف وجهه عن الطعام، وأخذ بيساره. ولا يغمس اللقمة الدسمة في الخل، ولا الخلَّ في الدسومة، واللقمةُ التي قطعها بسنه، لا يغمس بقيتها في المرقة، والخل. وما بقي من الأطعمة ليس للضيفان أخذُه، وهو الذي تسميه الصوفية الزَّلةَ، إلا إذا صرح صاحب الطعام بالإذن فيه. وليكن بصرُه إلى ما يأكل بين يديه، ولا يلتفت يمينًا وشمالًا، ويُصغّر اللقمة، ويُجيد مضغها، ولا يرفع رأسه، ولا يفتح فاه فتحًا بليغًا، ولا يمسّ شيئًا من جسده، ولا من ثيابه، وإذا عطس، أو سعل، حوّل وجهه، أو جعل يده على فمه. وللضيف أن يطعم الهرة، لا الكلب - ولو كلبَ صاحب البيت - ولا يعطي سائلًا، ولا لمن أتى لحاجة، ولا يذهبْ بأحد إلى الضيافة، إلا بإذن المضيف، وإذا كان ضيفًا عند إنسان، فناول لقمةً من طعام مائدته، لمن كان عليها، يحل للمتناوِل الأخذ، ولو أعطى لمن على مائدة أخرى: إنْ أعطاه من جنس ما على المائدة الثانية، يحل، وإلاّ لا.
وكرّه جماعة من السلف التكليفَ للضيف بما يَشق على صاحب البيت مشقةً ظاهرة، لأن ذلك يمنع من الإخلاص، وكمالِ السرور بالضيف. ويستحب لصاحب الضيافة أن يقول للضيف: كُلْ، من غَير إلحاح (2) ، وأن يُلَقَم الضيف بيده، وأن لا يهمل أقاربه في ضيافته، ولا يُجلس مع الأضياف من يُثَقّل، فإن الثقيل ينغص الطعام، ولا يغضب على خادمه عند الأضياف، فيدخلَ عليهم الوحشة، ولا يُقتّر على عياله لأجل الضيف. ويخدم الضيف بنفسه، ولا يقصد بدعوته المباهاةَ، والتفاخرَ، بل يقصد السنةَ. وأن يقدم من الطعام قدْر الكفاية، فإن التقليل عن الكفاية نقص في المروءة، والزيادة عليه تصنعٌ ومرآة، إلا أن يقدم الكثير، ونوى بذلك التبرك بفضلة طعامهم، إذ جاء: أنه لا يحاسب عليه، وأن لا يبادر إلى رفع الألوان، قبل تمكنكم من الاستيفاء، حتى يرفعوا الأيديَ عنها، وأن لا يرفع صاحب المائدة يده قبل القوم، بل ينبغي أن يكون آخرَهم أكلًا، وإذا فرغوا من الطعام، واستأذنوا، ينبغي أن لا يمنعهم، فإن ذلك ربما يُثَقّل عليهم، وأن يخرج مع الضيف إلى باب الدار، وهو سنة، وذلك من إكرام الضيف. وتمام الإكرام: طلاقةُ الوجه، وطيبُ الحديث، ولا يواكل الأشرار، ولا يشاربهم، ويواكل مع أهل التقوى، وأهل العلم، فإنه يورث الحكمة، قال عليه الصلاة والسلام"لا تصاحبْ إلا مؤمنًا، ولا يأكلْ طعامَك إلاّ تقي"، فإن في إطعام الفاجر إعانةً له على فجوره. ويستحب إطعام مَنْ في إطعامه إعانة على الطاعة، وإذا لم يعلم، فلا حرج عليه في الإحسان، وليس الشك بمعتَبَر، ولا الظن، والحِساب، ولا سيما إذا استند إلى قول فاسق، أو جاهل (3) .
(1) قال الشاعر الجاهلي (الشنفري) ، (من الطويل) :
وإن مُدّت الأيدي إلى الزاد، لم أكن * بأعجلهم، إذ أجشع القوم أعجلُ
(2) ولا يحلف على الطعام، لقول الحسن بن علي رضي اللَّه تعالى عنه: الطعام أهون من أن يحلف عليه.
(3) ط - 2 - 438 - 565 - 635 - ، غ - 2 - 6 - 7 - 13 - 15 - 16 - ،هـ - 176 - 177 - 178 - 179.