الصفحة 20 من 402

[متن الكتاب] .

الباب الأول في الأكل والشرب.

مطلب في ترتيب الأطعمة:.

مطلب في ترتيب الأطعمة:

وترتيب الأطعمة: بتقديم الفاكهة أولًا، إن كانت، فذلك أوفق في الطِّب، فإنها أسرع استحالةً، فينبغي أن تقع في أسفل المعدة، وفي قوله تعالى {وفاكهةٍ مَمّا يَتَخَيّرون، ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهون} (1) تنبيهٌ على تقديم الفاكهة. ثم أفضل ما يُقدم بعد الفاكهة: اللحم، والثريد، فإنْ جَمعَ إليه حلاوةً بعده، فقد جمع الطيبات.

قال أبو سليمان الداراني (2) ، قُدّس سره: (أكل الطيبات يُورث الرضى عن اللَّه سبحانه) ، وتتم هذه الطيبات بشُرب الماء البارد، وصبِّ الماء الفاتر، على اليد عند الغسل. ويقدّم من الألوان ألطفَها، حتى يستوفي منها مَنْ يريد، ولا يكثر الأكل بعده. وعادة المترفين تقديم الغليظ، ليستأنف حركة الشهوة، بمصادفة اللطيف بعده، وهو خلاف السنة، فإنه حيلة في استكثار الأكل. وكان مِنْ سنة المتقدمين: أن يقدّموا الألوان دفعة، ليأكل كلُّ واحد مما يشتهي، وإن لم يكن عنده إلاّ لون واحدٌ ذَكَرَه ليستوفوا منه. ويحكى عن بعض أصحاب المروآت، أنه كان يكتب نسخة بما يستحضر من الألوان، ويعرضها على الضيفان. ويُحضر البقول على المائدة، فإنها مطردة للشيطان. وعن إبراهيم النخعي (3) رحمه اللَّه تعالى (المائدة بلا بقل، كشيخ بلا عقل) .

ومن آداب التقديم: ترك التكلف، وتقديمُ ما حضر، ولا يقول لزائره: هل أُقَدّم لك طعامًا؟ بل ينبغي أن يقدّم إنْ كان، فإنْ أكل، وإلا فيرفعه، وأنْ لا يقترح الزائر، ولا يتحكم بشيء بعينه، فربما يشق على المزور إحضارُه، فإن خيّره بين طعامين، فليختر أيسرهما عليه، فإن علم أنه يُسر باقتراحه، ويتيسر عليه ذلك، فلا يكره له الاقتراح.

ليس من السنة أن يقصد قومًا، متربصًا لوقت طعامهم، فيدخلَ عليهم وقتَ الأكل، فإن ذلك من المفاجأة، وقد نُهي عنه، أما إذا كان جائعًا، فقصد بعض إخوانه ليطعمه، ولم يتربص به وقتَ أكله، فلا بأس به، وفيه إعانة لأخيه على حيازة ثواب الإطعام، (وهي عادة السلف) ، فإن دخل، ولم يجد صاحب الدار -، وكان واثقًا بصداقته، عالمًا بفرحه، إذا أكل من طعامه - فله أن يأكل بغير إذنه، ويَرفق برفيقه في القصعة، فلا يقصد أن يأكل زيادة على ما يأكله، فإن ذلك حرام، إن لم يكن موافقًا لرضى رفيقه، مهما كان الطعام مشتركًا، بل ينبغي أن يقصد الإيثار. ولا يأكل تمرتين في دفعة، إلا إذا فعلوا ذلك، أو استأذنهم، فإن قلّل رفيقه، نشّطه، ورغّبه في الأكل، وقال: كُلْ، ولا يزيد في قوله - كُلْ - على ثلاث مرات، فإن ذلك إلحاح وإفراط.

تقديم الطعام إلى الإخوان فيه فضل كثير، قال علي (4) رضي اللَّه (تعالى) عنه: (لأَنَ أَجمعَ إخواني على صاعٍ من طعام، أحبُّ إلىّ من عتق رقبة) . وكان ابن عمر (5) رضي اللَّه تعالى عنهما يقول: (مِنْ كرم المرء طيبُ زاده في سفره، وبذله لأصحابه) . وكان الصحابة رضي اللَّه عنهم يقولون: (الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق) ، وكانوا رضي اللَّه تعالى عنهم يجتمعون على قراءة القرآن، ولا يتفرقون إلا عن ذَواق، وفي الحديث:"إنّ في الجنة غرفًا، يُرى ظاهرُها من باطنها، وباطنُها من ظاهرها، هي لمنْ أَلاْنَ الكلامَ، وأطعمَ الطعام، وصلّى بالليل والناسُ نيام". قيل لبعض الأطباء: صف لي صِفةً آخذ بها، ولا أَعْدُها، قال (لا تنكِح من النساء إلا فتاة، ولا تأكل من اللحم إلاّ فتيًا، ولا تأكل من المطبوخَ حتى ينعم نضجه، ولا تشربن دواء إلا من عِلة، ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجَها، ولا تأكل طعامًا إلا أجدت مضغه، وكُلْ ما أحببت، ولا تشربن عليه، فإذا شربت، فلا تأكلن عليه شيئًا، ولا تحبس الغائط، والبول، وإذا أكلت بالنهار فنم، وإذا أكلت بالليل فامش قبل أن تنام، ولو مائة خطوة) . وليقل بعد أكل طعام الغير: اللَّهم أكثر خيره، وبارك له فيما رزقته، ويسّر له أن يفعل فيه خيرًا، وقنّعه بما أعطيته، واجعلنا وإياه من الشاكرين. وإن أفطر عند قوم فليقل: أفطر عندكم الصائمون، وأكلَ طعامَكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة. وليقل إذا أكل لبنًا (6) : اللَّهم بارك لنا فيما رزقتنا، وزدنا منه. فإن أكل غيرَه قال: اللَّهم بارك لنا فيما رزقتنا، وارقنا خيرًا منه (7) .

(1) الواقعة - آية /20 - 21/.

(2) عبد الرحمن بن احمد بن عطية، العنسي، المذحجي، زاهد مشهور، من أهل داريا، (بغوطة دمشق) رحل إلى بغداد، وأقام بها مدة، ثم عاد إلى الشام، وتوفي في بلده. من كبار المتصوفين، وله أخبار في الزهد. والأرجح أن وفاته سنة (215 هـ) . أعلام.

(3) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود، أبو عمران النخعي، من مذحج، من أكابر التابعين صلاحً، وصدق رواية، وحفظًا للحديث، ولد عام (46 هـ - 666 م) ، من أهل الكوفة، مات متخفيًا من الحجاج، فقيه العراق، إمام مجتهد، له مذهب. قال الشعبي لما بلغه موته: واللَّه ما ترك بعده مثله. توفي سنة (96 هـ - 815 م) . أعلام.

(4) علي بن أبي طالب الهاشمي، القرشي، أبو الحسن، أمير المؤمنين، رابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وابن عم النبي صلى اللَّه عليه وسلم، وصهره، وأحد الشجعان الأبطال، وأول الناس إسلامًا بعد السيدة خديجة، ولد عام (23 هـ - 600 م) وربي في حجر النبي صلى اللَّه عليه وسلم، وكان اللواء في يده في أكثر المشاهد، ولي الخلافة بعد مقتل عثمان عام (35 هـ) ، وأقام في الكوفة، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي الخارجي، غيلة في مؤامرة رمضان في السابع عشر منه المشهورة سنة (40 هـ - 661 م) . أعلام بتصرف.

(5) عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، العدوي، أبو عبد الرحمن، صحابي، من اعز بيتوتات قريش في الجاهلية، كان جريئًا، جهيرًا، نشأ في الإسلام، وهاجر مع أبيه إلى المدينة، وشهد فتح مكة، ومولده في مكة عام (10 ق. هـ - 613 م) ووفاته فيها كذلك سنة (73 هـ - 692 م) ، أفتى الناس في الإسلام ستين سنة، أبي الخلافة بعد مقتل عثمان، وهو آخر من توفي بمكة من الصاحبة. له في الصحيحين (2630) حديثًا. أعلام.

(6) يعني: حليبًا.

(7) غ - 2، 6، 7، 8، 10، 14، 15، 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت