الصفحة 126 من 161

وبالفعل دخلت السنوات الشداد ، وقلت الأمطار ، وقحط الناس في مصر والبلدان ، لكن مصر استقبلت القحط بكل حيطة واستعداد بفضل الله ، ثم بحكمة يوسف وحسن تخطيطه ، حيث ادخر من الغلال ما يكفي حاجة الناس ، ويصونهم أيام الجوع والجدب .

تسامع الناس بذكر مصر ، وأنها رخية ، وكأنها لم يصبها القحط ، وأن فيها عزيزًا عادلًا وفاضلًا كريمًا ، يوزع الحنطة بين الناس بميزان العدل والرحمة .

وصل الخبر إلى أرض فلسطين ، وفيها يعقوب عليه السلام وبنوه ، فقال يعقوب لأبنائه: إن الجدب عمنا فشدوا ركابكم ، واقصدوا هذا العزيز الذي حملت الركبان أخباره .

وبالفعل أجاب الأبناء دعوة أبيهم ، وانطلقوا إلى مصر كما قال تعالى: { وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } [ يوسف: 58 ] .

دخل الحاجب على يوسف العزيز ، وقد صار في رئاسته ووجاهته ، وحوله الناس محل إجلال وإكرام ، وقال له: إن بالباب عشرة تتشابه معارفهم ، غرباء عن هذه الديار يستأذنون في الدخول عليك .

فأذن لهم يوسف بالدخول ، فإذا هم إخوته العشرة الذي غدروا به ، ورموه في البئر فعرفهم ، ولم يعرفوه ، واستبانهم وهم قد أنكروه مع طول المدة .

يوسف كان حكيمًا رزينًا ، آواهم وأحسن ضيافتهم .

ثم قال لهم: من أنتم ؟ وما أقدمكم بلادي ؟

فقالوا: يا أيها العزيز قدمنا للميرة ، قال: لعلكم عيون ؟

قالوا: معاذ الله ، قال: فمن أين أنتم ؟ !

قالوا: من بلاد كنعان وأبونا يعقوب نبي الله .

قال: وله أولاد غيركم ؟

قالوا: نعم كنا اثني عشر فذهب أصغرنا هلك في البرية ، وكان أحبنا إلى أبيه ، وبقى شقيقه فاحتبسه أبوه ليتسلى به عنه .

فقال يوسف: لا قيمة لهذا القول عندي حتى تأتوا به أو شاهد ، فأقيموا عندي حتى يحضر بيتكم .

فقالوا: نحن غرباء ، وإنك تكلفنا محالًا ولكن التمس لنا مخرجًا عن هذا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت