ولما أتى إبليس سأله الله تعالى { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العَالِينَ } [ ص: 75 ] .
فزعم أنه خير من آدم عنصرًا ، وأزكى منه جوهرًا { قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } [ ص: 76 ] .
فجهر بالمعصية ، وعاند واستكبر فجازاه الله على عصيانه بقوله { فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ } [ الحجر: 34 - 35 ] .
والرجيم: الملعون ، المبعد ، المطرود .
فجعله الله مطرودًا ملعونًا إلى يوم القيامة .
ثم إن إبليس بعد ذلك سأل الله أن يمهله إلى يوم الدين وأن يمد له في الحياة إلى يوم يبعثون . فأجابه الله لما طلب { قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ } [ الحجر: 37 - 38 ] .
لما استجاب الله سؤاله وطلبه ، لم يشكر الله على فضله ، بل قابل نعمته بالكفران وفضله بالجحود والنكران .
وقال: { قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ } [الأعراف: 16] . يترصد لهم . { ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } [ الأعراف: 17 ] .
تأمل هذا المكر وهذا القعود والترصد .
طرد الله إبليس من رحمته ، ومدَّ له في أمله ، وقال له: امض لسبيلك الذي اخترته ، وسر في طريق الشر الذي أردته . { وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ } [ الإسراء: 64] .