وقال لهم: ها أنتم ترون شعري قد أشهب ، وجسمي قد نحل ، وعودي قد ذوى والأسقام أخذت سبيلها إليَّ ، ولن ألبث إلا قليلًا حتى ألقى الله تعالى: وإنكم سترثون هذا البستان والمال والنعم ، وأنتم بين خطتين: إن اتعظتم فإن الله وعد كل منفق خلفًا ، وإن بخلتم ، فإن الله أنذرك تلفًا .
كذا هي وصية الرجل الصالح: تشع بالهدى والإيمان والصدق ومحبة الناس .
ثم لم يلبث الشيخ مدة حتى توالت عليه الأسقام ، ومضت إلى الله على خير حاله وأحسن خاتمة .
توالت الأيام سراعًا ، وتهيأت الحديقة للجني ، ودنت ثمارها للقطوف ، وتسامع الفقراء ، وهبوا كعادتهم السنوية .
وأحس الأبناء بخطر الفقراء ، فبدأوا يتشاورون ، فقال الأول: ليس للفقراء منها حق ولا نصيب ولكلٍ نصيب يثمره كيف يشاء .
وقال أوسطهم وحدهم وهو أقرب بهم للوالد ، إنكم إن حرمتم الفقراء ، لا تأمنون منهم شرًا أو اعتداء ، امنحوهم حقهم ، واذهبوا منها مذهب أبيكم ، وما بقي فإن الله ينميه .
فصاحوا في وجه أخيهم: لا تقترح شيئًا فيما لا تملك .
ثم أرشدهم للصلاة قائلًا: إنها تنهي عن الفحشاء والمنكر ، وقد تردكم إلى الحق وتعطف قلوبكم إلى الفقراء ، ولكن ما استجابوا له .
ثم خلص اجتماعهم إلى أن يبكروا لقطفها مع طلوع الفجر وظلمته ، قبل استيقاظ الفقراء ، كما قال تعالى: { إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ }
[ القلم: 17 - 18 ] .
فعلم الله سوء نيتهم ، وخبث طويتهم ، فعاملهم بنقيض قصدهم ، حيث أرسل على البستان ، حاصبًا من السماء ، قلع نبتها ، وأسقط شجرها ، وبدد أوراقها ، فعادت كالصريم وهو الليل الأسود .
قال تعالى مبينًا ذلك: { فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ } [ القلم: 19 - 20 ] .