الصفحة 46 من 161

وقال لهم: ها أنتم ترون شعري قد أشهب ، وجسمي قد نحل ، وعودي قد ذوى والأسقام أخذت سبيلها إليَّ ، ولن ألبث إلا قليلًا حتى ألقى الله تعالى: وإنكم سترثون هذا البستان والمال والنعم ، وأنتم بين خطتين: إن اتعظتم فإن الله وعد كل منفق خلفًا ، وإن بخلتم ، فإن الله أنذرك تلفًا .

كذا هي وصية الرجل الصالح: تشع بالهدى والإيمان والصدق ومحبة الناس .

ثم لم يلبث الشيخ مدة حتى توالت عليه الأسقام ، ومضت إلى الله على خير حاله وأحسن خاتمة .

توالت الأيام سراعًا ، وتهيأت الحديقة للجني ، ودنت ثمارها للقطوف ، وتسامع الفقراء ، وهبوا كعادتهم السنوية .

وأحس الأبناء بخطر الفقراء ، فبدأوا يتشاورون ، فقال الأول: ليس للفقراء منها حق ولا نصيب ولكلٍ نصيب يثمره كيف يشاء .

وقال أوسطهم وحدهم وهو أقرب بهم للوالد ، إنكم إن حرمتم الفقراء ، لا تأمنون منهم شرًا أو اعتداء ، امنحوهم حقهم ، واذهبوا منها مذهب أبيكم ، وما بقي فإن الله ينميه .

فصاحوا في وجه أخيهم: لا تقترح شيئًا فيما لا تملك .

ثم أرشدهم للصلاة قائلًا: إنها تنهي عن الفحشاء والمنكر ، وقد تردكم إلى الحق وتعطف قلوبكم إلى الفقراء ، ولكن ما استجابوا له .

ثم خلص اجتماعهم إلى أن يبكروا لقطفها مع طلوع الفجر وظلمته ، قبل استيقاظ الفقراء ، كما قال تعالى: { إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ }

[ القلم: 17 - 18 ] .

فعلم الله سوء نيتهم ، وخبث طويتهم ، فعاملهم بنقيض قصدهم ، حيث أرسل على البستان ، حاصبًا من السماء ، قلع نبتها ، وأسقط شجرها ، وبدد أوراقها ، فعادت كالصريم وهو الليل الأسود .

قال تعالى مبينًا ذلك: { فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ } [ القلم: 19 - 20 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت