المهم إن هؤلاء ساءهم رؤية الأسماك الكثيرة يوم السبت ، وشحها يوم الأحد ، فتحركت دواعي الطمع فيهم ، وثارت عوامل الجشع عندهم ، وغفلوا عن تعليم نبيهم ، ونسوا حظًا مما ذكروا به ، فتشاوروا ما يصنعون فقال بعضهم (ما بالنا نترك الحيتان في يوم تكثر فيه وتزيد ، ونأتي لصيدها في أيام ، فلا تصل إلا بجهد ومشقة ، فلا سبيل إليها إلا يوم السبت ، فصادوها ، وغنموا منها الكثير .
وقيل بل أوحى إليهم الشيطان إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت فخذوها فيه ، وكلوها في بقية الأيام .
وقالت طائفة أخرى: بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت وهؤلاء الصالحون .
لكن فعلوا ما عزموا عليه ، وصادوها يوم السبت ، اليوم المحرم عليهم .
علم الصالحون ما صنع إخوانهم ، فخرجوا إليهم وذكروهم ، فما زادهم ذلك إلا استهتارًا وإمعانًا في غيهم ، فثار أهل الإيمان وحملوا أسلحتهم لمنع هؤلاء من دخول القرية .
فقال العصاة: إن القرية لنا ولكم ، ولا حق لكم في دفعنا عنها ، إنها موطننا ومحط رزقنا ، فإن صممتم على ذلك فلتقاسمونا القرية ، ونبني حائطًا بيننا وبينكم .
ورضى الصالحون بقسمة القرية ، وانفردت كل طائفة بحظها ، وشغل الفساق بلهوهم وصيدهم ، وصنعوا سدودًا للحيتان يوم السبت ، وصادوها الأحد .
ومع ذلك لم يغفل المؤمنون من نصحهم وتحذيرهم عذاب الله ، بل لما قال لهم بعض إخوانهم لماذا ينصحون أناسًا قد هلكوا ، واستحقوا عقوبة الله ، قالوا (معذرة إلى ربكم) أي فيما أوجب علينا من الأمر والنهي ، قال تعالى { وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [ الأعراف: 164 ] .
فانقسمت القرية إلى ثلاث طوائف:
طائفة باغية عاصية .
وطائفة أعرضت وسكتت .
وطائفة صالحة صدعت وأنكرت .