وأيضًا جعله رحمة من الله للناس يذكرهم ويدعوهم إلى عبادة الله وحده ، كما قال تعالى: { إِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنْ الصَّالِحِينَ } [ آل عمران: 45 - 46 ] .
وهنا جعل هذا الولد بشارة لها وليس فاجعة ولا مصيبة:
يكون كلمة من الله كن فيكون .
وهو وجيه له مكانة في الدنيا والآخرة .
وهو يدعو إلى الله في مهده وكهولته .
قضى الله ذلك الأمر وقدره كما قال { وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا } .
قدر الله عليها الحمل بهذا المولود الصالح المنتظر ، حيث نفخ الملك في جيب درعها ، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج فحملت بإذن الله .
فلما حملت شعرت بالضيق والحرج ، حيث إنها امرأة عفيفة ، ومن أسرة صالحة ، فماذا ستقول للناس ، وهل سيصدقونها ؟ إن الأمر كرب خطير ، ومصاب جسيم عليها ، لكنها بفضل دينها وصلاحها ، أسلمت أمرها لقضاء الله ، واحتملت ما حصل لها ، وإن كانت تتمنى لو أنها ماتت قبل أن يجري الذي جرى ، قال تعالى: { فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا } [ مريم: 22 - 23 ] .
حصل الحمل لها ، وقد اختلف هل حملت كسائر النساء تسعة أشهر ؟
قال بعضهم: حملت ووضعت مباشرة .
والذي عليه الجمهور: إنها حملت كسائر النساء وهذا أبلغ في الفتن والبلاء .
وهو ما صوبه ابن كثير في التفسير .
والأخبار تدل على أن مخايل الحمل ظهرت عليها ومن ذلك اتهام الناس لها برجل صالح كان يخدم معها اسمه (يوسف النجار) وسألها: (هل يكون شجر من غير حب ، وزرع من غير بذر) .