في يوم من الأيام اعتكفت مريم كعادتها وجلست تصلي وتعبد الله وتعظمه وتسبحه فأحست برهبة ، وخالطها اضطراب لم تألفه من قبل ، وتبدى أمامها ملك من السماء جاءها على صورة بشر ، لكيلا تفر وتخاف ، ومع ذلك حاولت الهرب ، واستعاذت بالله منه ، إذ ظنته معتديًا أثيمًا وفاجرًا ، زنيمًا وهي المرأة العفيفة الطاهرة .
وهذا ما قصه الله علينا في سورة مريم: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا } [ مريم: 16 - 18 ] .
فهذه الآيات تفيد أمورًا:
إن مريم انتبذت وتنحت عن أهلها مكانًا شرقيًا قيل للعبادة ، وقيل لسقي الماء ، وقيل لمرض أصابها .
أنها تواجدت واحتميت بحيث لا يراها أحد .
إن الله أرسل إليها جبريل على صورة بشر سوي .
إنها لما رأته أنكرته واستعاذت بالله منه أن يصيبها بسوء { إِنْ كُنتَ تَقِيًّا } فقد أشارت إلى أن المتقي هو من يعظم حرمات الله .
بعد ذلك أبان لها الملك بأنه رسول الله ، وطمأنها بأنه إنما جاء ليهب لها غلامًا صالحًا زكيًا ، فاستنكرت أشد مما سبق وقالت: كيف يكون لها ولد وليس لها زوج ولم تتلبس بالفجور .
قال تعالى: { قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُنْ بَغِيًّا قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا } [ مريم: 19 - 21 ] .
فوضح لها الملك بأن هذا الولد آية من الله ، فهو هين في قدرته ، وسنجعله آية للناس ، ودلالة على قدرة الله تعالى، وأنه خلق الناس ونوَّع خلقهم .