قال: وما جاءت به الشريعة من المأمورات والعقوبات والكفارات وغير ذلك فإنه يفعل منه بحسب الاستطاعة. فإذا لم يقدر المسلم على جهاد جميع المشركين، فإنه يجاهد من يقدر على جهاده، وكذلك إذا لم يقدر على عقوبة جميع المعتدين فإنه يعاقب من يقدر على عقوبته، فإذا لم يمكن النفي والحبس عن جميع الناس كان النفي والحبس على حسب القدرة، مثل أن يحبس بدار لا يباشر إلا أهلها لا يخرج منها، أو أن لا يباشر إلا شخصًا أو شخصين، فهذا هو الممكن؛ فيكون هو المأمور به، وإن أمكن أن يجعل في مكان قد قل فيه القبيح ولا يعدم بالكلية كان ذلك هو المأمور به، فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فالقليل من الخير خير من تركه، ودفع بعض الشر خير من تركه كله،
وكذلك المرأة المشتبهة بالرجال تحبس شبيهًا بحالها إذا زنت، سواء كانت بكرًا أو ثيبًا، فإن جنس الحبس مما شرع في جنس الفاحشة.
ومما يدخل في هذا أن عمر بن الخطاب نفى نصر بن حجاج من المدينة ومن وطنه إلى البصرة لما سمع تشبيب النساء به وتشبهه بهن وكان أولًا قد أمر بأخذ شعره؛ ليزيل جماله الذي كان يفتن به النساء فلما رآه بعد ذلك من أحسن الناس وجنتين غمه ذلك فنفاه إلى البصرة، فهذا لم يصدر منه ذنب ولا فاحشة يعاقب عليها؛ لكن كان في النساء من يفتتن به فأمر بإزالة جماله الفاتن، فإن انتقاله عن وطنه مما يضعف همته وبدنه، ويعلم أنه معاقب، وهذا من باب التفريق بين الذين يخاف عليهم الفاحشة والعشق قبل وقوعه، وليس من باب المعاقبة، وقد كان عمر ينفي في الخمر إلى خيبر زيادة في عقوبة شاربها.